الخميس 16 سبتمبر 2021

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.21 3.23
    الدينــار الأردنــــي 4.53 4.55
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.81 3.85
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

عصر البدائل: لماذا دولة واحدة؟

  • 21:37 PM

  • 2021-07-03

غالب درابيه:

العدوان الأخير لدولة الاحتلال "إسرائيل" بدأ باقتراب موعد تنفيذ عمليات التطهير العرقي ضد عائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، فانتفض سكان الحي وساندتهم المقاومة من غزة وانتفض الكل الفلسطيني وكل أحرار العالم من أجلهم، وانتصرت إرادة الشعب الفلسطيني في مشهد لم يسبق له مثيل في تاريخ الصراع. فما هي العبر؟

العبرة الأهم، أن حل الدولتين الذي شكل أساس العمل الوطني الفلسطيني منذ أكثر من 30 عاما أثبت فشله وعدم فاعليته. لقد أصبح من السذاجة السياسية أن يستمر الفلسطينيين التمسك به دون أي شروط ودون الحصول على كامل الأرض داخل حدود 1967.

مساحة فلسطين التاريخية هي 26,990 كم²، والضفة الغربية وغزة معا تشكل 22% من فلسطين التاريخية. الضفة مساحتها 5860 كم²، وقطاع غزة 360 كم². مناطق (أ) التي هي تحت ادارة السلطة الفلسطينية، تشكل 18% من الضفة الغربية بالإضافة لقطاع غزة. أي أن مساحة مناطق (أ) هي عبارة عن 1055 كم² في الضفة و365 كم² في غزة، بمجمل 1420 كم². هذا يعني أن الفلسطينيين اليوم يديرون شعب على مساحة أرض تبلغ 5% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.

ولتبسيط فهم حل الدولتين، تخيل عائلة سُرق منزلها المكون من خمس غرف وقبلت هذه العائلة بحق سارقها في أربع غرف دون الحصول على الغرفة الخامسة، وطرد جزء من العائلة وفُرض على الجزء الآخر العيش في غرفة خدمات جانبية (أي مناطق أ) التي لا تتعدى مساحة 5% من مساحة المنزل الأصلي ويتحكم السارق في غرفة الخدمات بالكامل.

خبث اتفاق أوسلو، يكمُن في شغل النظام السياسي الفلسطيني بإدارة الشؤون المدنية للفلسطينيين (في غرفة الخدمات) على حساب مشروعهم التحرري. وأخطر ما في الأمر، أنه تم تقزيم القضية من صراع من أجل الحرية والاستقلال ليصبح نزاع حول حدود جغرافية.

القضية الفلسطينية تشهد اليوم واقع جديد يختلف عن ما قبل 30 عاما، يتطلب التفكير بمنطق جديد يتناسب والمرحلة، أهم خصائص وحقائق هذا الواقع تتلخص بالتالي:

الجغرافيا:

اليوم يوجد في الضفة والقدس أكثر من 200 مستوطنة، وعدد المستوطنين يفوق 750 ألف. والأهم أن طوق المستوطنات، خلق 5 كانتونات/بانتوستانات منفصلة جغرافيا كالتي كانت في جنوب أفريقيا، تستطيع قوات الاحتلال تقطيع أوصال هذه الكانتونات حسب مزاجاها الأمني متى شاءت. الرهان على تفكيك المستوطنات وإخلائها أمر غاية الصعوبة في خضم مجتمع الإسرائيلي أكثر تطرفا ولن تستطيع أي حكومة "إسرائيلية" تفكيك هذه المستوطنات.

الحقيقة التي وجب على الفلسطينيين فهمها، أن الواقع الجغرافي الحالي لا يسمح بقيام دولة فلسطينية تكون متواصلة جغرافيا وقابلة للحياة وتكون عاصمتها القدس الشرقية ببلدتها القديمة.

الديمغرافيا:

إجمالي عدد السكان الفلسطينيين في فلسطين التاريخية ما بين البحر والنهر وصل الى 7 ملايين و16 ألف فلسطيني، هذا يشمل أهلنا في الداخل، مقابل 6 ملايين و772 ألف يهودي.

هذا يعني أن الواقع الديمغرافي، أصبح في صالح الفلسطينيين ويخدم مشروع حل الدولة الواحدة عند تبنيه. وفي حال تمكن الفلسطينيين من إرضاخ "إسرائيل" للاستسلام لحل الدولة الواحدة الديمقراطية، كما فعل نيلسون مانديلا وحزبه (ANC) في جنوب أفريقيا، حينها سيكون الحُكم للفلسطينيين لأنهم الأغلبية.

القوة العسكرية:

على الرغم من انتصار الشعب الفلسطيني في هبته الأخيرة لنصرة حي الشيخ جراح التي لا نقلل من شأنها، يجب علينا عدم التغاضي عن الخلل الحقيقي في ميزان القوة العسكري لصالح دولة الاحتلال وحاضنتها من بعض الدول الغربية من جهة والطرف الفلسطيني وحلفاءه من جهة أخرى. وفي حال نشوب حرب عسكرية تشكل خطر وجودي على دولة الاحتلال ستقوم دولة الاحتلال وبدعم غربي بحرب دموية في غزة كما فعلت في لبنان عام 1982.

قضية اللاجئين:

كما هو أصبح متعارف عليه في أروقة السياسة، كل مفاوضات حل الدولتين حتى اللحظة فشلت في التوصل لحل عادل لعودة اللاجئين لأراضيهم الأصلية في الداخل (حدود 48) وهنالك وثائق سرية سُربت تكشف موافقة الطرف الفلسطيني على عودة عشرة ألاف لاجئ فقط على مدار عشر سنوات. المعادلة الحالية والموقف العام وحتى الدولي منه يتحدث عن عودة اللاجئين الى الدولة الفلسطينية المستقبلية أو أي دولة ثانية. حتى أن أبو مازن شخصيا قالها علنا أنه من صفد ولن يطالب بالعودة لها.

حل الدولة الواحدة التي يكون الحُكم فيها للأغلبية الفلسطينية يعطي الأمل والحتمية لعودة اللاجئين الى أراضيهم وديارهم التي هجروا منها.

ما هي البدائل:

في ظل فشل تحقيق حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على أراضي 1967، منذ أكثر من 30 عاما، أصبح من المنطقي أن نفتح أفاق لأفكار جديدة وبدائل تغير هذه المعادلة التي أثبتت فشلها. الاستمرار في السعي وراء الحصول على مواقف دولية وقرارات أممية وعدلية هو مضيعة للوقت، هنالك أكثر من 880 قرار دولي ضد "إسرائيل" لم تعط الفلسطينيين حقوقهم. كل تلك الجهود التي لا ننتقص من أهميتها، قد تم تجربتها ولم تُجدي نفعا لأنها في نهاية الأمر تحتاج لقوة تنفيذ على الأرض وهذا غير متوفر حاليا ولن يقدم العالم على ذلك لسبب خلاف على حدود سياسية.

كما يقول أينشتاين، الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرة بعد أخرى وتتوقع نتائج مختلفة. يجب أن نفعل شيء مختلف لنحصل على نتائج مختلفة. فما هي البدائل؟

اولا: التوافق على حل الدولتين المشروط بسقف زمني.

يجب على الفلسطينيين تحديد سقف زمني محدد غير قابل للتجديد ولا يتعدى نهاية عام 2023 لتحقيق حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية على كامل أراضي 1967. وأن يتم رفض فكرة يهودية دولة "إسرائيل" لحماية فلسطيني الداخل. ويجب أن يتم الإعلان عنه من خلال رسائل رسمية لكل الدول والمنظمات الدولية. من خلال هذا السقف الزمني، يضع الفلسطينيين دولة الاحتلال وحاضنتها من الدول الغربية تحت المسؤولية ويكشف سوء نواياهم. وخلال هذه المهلة الزمنية يتم وضع استراتيجية متكاملة لتنفيذ حل الدولة الواحدة حال فشل حل الدولتين.

في حال عدم تنفيذ حل الدولتين، يصبح الشعب الفلسطيني في حل من أمره وفي حل من كل الاتفاقات الهزيلة ونطالب بحل الدولة الواحدة من خلال الحصول على حقوق سياسية نسترجع بها كامل التراب الفلسطيني.

ثانيا: تبني حل الدولة الواحدة رسميا:

حل الدولة الواحدة هو الحل الأمثل للقضية الفلسطينية إلا أنه أمر صعب، ولكنه ليس مستحيلا. نجاح هذا الحل مرتبط بشكل أساسي بقدرة الفلسطينيين السياسية على عزل "إسرائيل" دوليا ومقاطعتها اقتصاديا وعسكريا.

مقاطعة إسرائيل وعزلها يحتاج لنهج جديد لتوظيف الحجج القوية والمبنية على أُسس أخلاقية وقيم إنسانية تساعد الشعوب الحرة خاصة الغربية منها للضغط على حكوماتهم الداعمة لإسرائيل لإعادة التموضع. هذا النهج الجديد يجب أن يكون عنوانه محاربة نظام الفصل العنصري القائم بامتياز في "إسرائيل". هذا النهج يحتاج لمقاومة بكل الأشكال المتاحة لكشف وجه "إسرائيل" العنصري واللا أخلاقي المتناقض مع منظومة القيم الإنسانية الأساسية التي تنادي وتتباها بها المنظومة الغربية.

محاربة نظام فصل عنصري بوجود مقاومة فلسطينية شبيه لما حدث في هبة حي الشيخ جراح، ويكون هدفها وعنوانها محاربة نظام فصل عنصري سيحرج المنظومة الغربية ويحد من تدخلها لحماية "إسرائيل" العنصرية. كما سيلتف حولنا الكثير من أحرار العالم حتى اليهود منهم، وستصبح القضية الفلسطينية قضية قيم وأخلاق للعالم ولأحراره، كما حدث في جنوب أفريقيا. وعليه ستقوم الشعوب الحرة بالضغط على حكوماتهم لمقاطعة "إسرائيل" كما فعلوا في السابق في جنوب أفريقيا. دولة الاحتلال ومواطنيها لا تستطيع تحمل مقاطعة وعزلة ومقاومة مستمرة لوقت طويل.

هذا التحول الاستراتيجي سيعطي زخما عالميا للقضية الفلسطينية، وسيؤدي لمقاطعة "إسرائيل" وعزلها وانهاكها في مقاومة مستمرة كما حدث في الانتفاضة الأولى وفي جنوب أفريقيا، وسترضخ كما رضخ نظام الفصل العنصري الجنوب أفريقي، وستقبل مرغمة بقيام دولة ديمقراطية واحدة. وبوجود الأغلبية الفلسطينية ما بين النهر والبحر، سيكون الحكم في هذه الدولة الجديدة للفلسطينيين والقوى المعتدلة في "إسرائيل"، وسنفكك منظومتها العنصرية، ونعيد تسميتها لتصبح فلسطين التاريخية التي تعايشت فيها كل الأديان السماوية بسلام وأمن وتآخي منذ بدأ التاريخ، وعندها يستطيع اللاجئين العودة لبيوتهم التي هجروا منها.

هذا الجهد يتطلب سبل جديدة في النضال تشمل هبات واعتصامات جماهيرية حاشدة ومقاومة بكل الأشكال على غرار ما شهدناه في الحرب الأخيرة. هذا القرار يتطلب مشاركة كل الفلسطينيين في الوطن والشتات ويحتاج لنفس طويل وجهد جماعي ووعي مجتمعي للقبول باليهودي اللا عنصري واللا صهيوني كشريك ومواطن له واجبات وحقوق متساوية.

بالمختصر، نجاح هذا الخيار يحتاج لحجج أقوى من أن الاحتلال فقط يخرق القوانين الدولية، بل أيضا يخرق القيم الإنسانية البسيطة. هذا الخيار يصطدم بالتحدي الأعظم المتمثل بتأهيل المواطن الفلسطيني والإسرائيلي للقبول بالشراكة الوطنية مع الطرف الآخر والتعايش معه بحقوق وواجبات متساوية.

خاتمة:

حل الدولة الواحدة ما زال يدور في ذهن الكثير من مثقفين الشعب الفلسطيني وقياداته، وكان الأخ الشهيد صلاح خلف ضمير الثورة والأخ خالد الحسن مفكر الثورة والبرفسور إبراهيم أبو اللغد المفكر الفلسطيني، من أبرز المنادين لهذا الفكر الذي يغير المعادلة السياسية بمجملها.

خير دليل على فعالية هذا النهج هو ما تقوم به حملة مقاطعة إسرائيل (BDS) والتي استطاعت في السنوات الأخيرة تحقيق نجاحات كثيرة وكبيرة أدت الى أن شركات عالمية ومؤسسات أكاديمية وبحثية كثيرة قامت بمقاطعة منتوجات دولة الاحتلال. ولذلك استحدث دولة الاحتلال وزارة لمحاربتها والآن اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وأوروبا يسعى لتغير القوانين لمحاربتها.

لم يعد من المنطق، أن تعول الاستراتيجية الفلسطينية على معارك خُضناها في السابق وفشلنا بها. أعتقد أن هذا الخيار سيعيد القضية الفلسطينية لتتربع على الاجندة الدولية وتخلق أزمة قيم وأخلاق للعالم.

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لـ "ريال ميديا"

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات