الجمعة 24 سبتمبر 2021

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.21 3.23
    الدينــار الأردنــــي 4.53 4.55
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.81 3.85
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

قصيدة النثر : بديل للنظم

  • 01:33 AM

  • 2021-07-30

سوسن محمود نوري - " ريال ميديا ":

داڤيد ليهمان 3/1/2003 – دورية الشعر الأمريكي

في ديسمبر 1978 صوتت لجنة من ثلاثة أشخاص على منح جائزة پوليتزر في الشعر لمارك ستراند عن كتابه "الصرح". لقد كانت نقلة جسورة. كان "الصرح" أي شيء سوى كتابٍ تقليدي في الشعر المنظوم. كان يتألف من تأملات شعرية نثرية قصيرة حول موضوع الموت، مع عبارات للمؤلف تـُقَدم في مناظرة مع اقتباسات من شكسبير، أونامونو، السير توماس براون، نيتشه، والاس ستيڤينز واقتباسات أخرى وآخرين ممن لهم تجارب مع الفناء. في النهاية على أية حال، لم يفز ستراند بالجائزة لأن المحكمِّ الثالث – رئيس اللجنة لويس سمپسون- عارض الاختيار بشدة. لقد رفض سمپسون "الصرح" على أساس سيطرة النثر عليه. لقد جادل بأن الجائزة الرفيعة خُصصت لتكريم النظم. هذا الجدال بدوره سيطر على مسؤولي پوليتزر الذين اعتمدوا على توصيات اللجنة. يـُعجب القارئ بـ"الصرح" لأسلوبه المميز حيث المراوغة واللامألوف والخروج عن التصنيفات الكلاسية، لكن هذه الخصائص كانت ضده حين جاء وقت التقييم. كان واضحاً حينها أن النثر لم يكسب القبول بعد كوسيط لكتابة الشعر. الشعراء الذين كانوا يكتبون هذا النمط كانوا لا يزالون في مواجهة مع الاعتراف الرسمي، وفي بعض الأحيان (أشبري في "ثلاث قصائد" وميروين في "أطفال عامل المنجم الشاحبون") رغم توجسهم الخاص من مصطلحات قصيدة النثر وشعر النثر، تلك المصطلحات لمـّحت لعلاقة مع تراث فرنسي حداثي كان الشعراء الأمريكيون واعين به لكن بمسافة لائقة. وقد لاحظ تشارلز سيميك "أن قصيدة النثر لها تميز لا مألوف جعلها جديرةً بالاعتبار مع شبهة ليست من قبل الكارهين المعتادين للشعر فقط، بل من كثير من الشعراء أنفسهم".

لذا، عندما فاز سيميك بجائزة پوليتزر عام 1991 عن "العالم لا ينتهي"، بدا ذلك بشكل مزدوج كحدث هام وعلامة ليست فقط في شهرة سيميك بل وفي مكانة قصيدة النثر نفسها. إن مشروعيتها كشكل أو كجنس أدبي مع ميل خاص للشعراء الأمريكيين بات لا يمكن إنكارهما بعد. كتاب سيميك الفائز بـ پوليتزر -مثل كتاب ستراند المنحوس قبل ثلاثة عشر عاماً- يتكون أساساً من قصائد نثر كانت متحديةً ونجحت. قبل ذلك كان يـُعتقد أن النثر لن يصل لمستوى الجمال المفترض في النظم، الكتابة لم تكن "شعرية" بشكل واعٍ ذاتياً. على النقيض من ذلك كان النثر في هذه القصائد حاسماً في نجاحها، رغم طبيعتها النثرية التي قد تقلل من قيمتها.

قصائد النثر في "العالم لا ينتهي" موجزة وزائدة وأحياناً باردة ومظلمة: كثيرٌ منها كان يعبّر عن طفولة سيميك في بلگراد أثناء الحرب العالمية الثانية. نزوة غريبة خلقتْ ذاكرةً قاسية من الدخان وضباباً ليس أقل ضراوةً لكن ربما أكثر تعلقاً. إحدى قصائد النثر غير المعنونة تبدأ بـ:

"لقد سرقني الغجر، والداي سرقاني ثانية، ثم سرقني الغجر مرة أخرى. هذا حدث في زمن ما".

هذا التتابع في الجمل -وليس الأسطر- ينتقل بنا لسرعة أكبر من النظم، ثم تأتي الجملة الصياغية الأخيرة لتبطئ الحركة. النتيجة هي جعل غير العادي يبدو بشكل ما نظاماً، ويقترب من إيقاع السرد النثري. في قصيدة أخرى نجد الجملة الافتتاحية تقدم استعارة، أما البقية فتستفيض في دعم تجلّيها:

"كنا فقراء جداً، يجب أن آخذ مكان الطُّعم في شبكة مصيدة الفئران".

كما حدث فإن المطلع الافتتاحي من الجملة يكشف بشكل تام عن شعر مرسل، لكنه يملك قوته الخاصة لخلق التوتر بين رتابة المعنى والانعطاف المرعب في الحبكة. بوضع أسلوبه النثري المقتضب في خدمة الفنتازي والسريالي، وجد سيميك طريقه لاحتواء حالته الأجنبية في تجربته الصبيانية في يوگوسلافيا. استخدام سيميك للجمل البسيطة التصريحية – وأحياناً المنفصلة السريعة- أعاد إلى الأذهان الأسلوب النثري لرفيقه خريج مدرسة أوك بارك (إلينويس) العليا إرنست همنگواي والذي كان رائداً لقصيدة النثر.

من الممكن قراءة قصائد سيميك النثرية كسرد حُلُميّ ينتهي بشكل حادٍّ فجائيّاً وكلغز محيّر، وربما تقريباً تعاملهم كقصة نثرية لولا إيجازهم المتطرف وأسلوبهم الغامض في إنجاز الحلول، والنية الشعرية التي لا تخطئ للمؤلف. أخبر سيميك أحد محاوريه بأن كتابه عبارة عن "ترميزات سريعة" و"أفكار لقصائد" كُتبت بشكل عشوائي ونشط، لقد قال بأنهم انبعثوا من مكان ما حيث دوافع النثر والشعر تتضارب. "ما الذي جعلهم قصائد؟"، "ما يجعلهم قصائداً أنهم مكتفون ذاتياً، وحالما تقرأ قصيدةً تجد نفسك مضطراً للرجوع وإعادة القراءة ثانية، هذا ما تفعله القصيدة".

ما هي قصيدة النثر؟ التعريف الأقصر والأفضل هو تقريباً ترادفيٌ. قصيدة النثر هي القصيدة التي تُكتب بشكل نثري أكثر منه نظماً. على الصفحة تبدو كفقرة أو قصة قصيرة متشظية، لكنها تفعل فعل قصيدة. إنها تتشكل في جمل أكثر من أسطر شعرية، وباستثناء كسرها للسطر الشعري فإنها تَستخدم كل تكتيكات واستراتيجيات الشعر. ومثلما تجاوز النظم الحر التفعيلة والإيقاع، فإن قصيدة النثر تجاوزت السطر كوحدة للموضوع. إنها تَستخدم وسائل نثريةً لغايات شعرية.

ربما يمكنك القول أن قصيدة النثر هي شعر يموّه طبيعته الحقيقية. في قصيدة النثر يمكن للشاعر أن يضمن نماذج مستبعدة مثل مقالات الصحيفة، المذكرات، القوائم، الحكايات، الكلام والحوارات. إنه يشكّل منهلاً باستخدامه اللغة الشعبية وبعزمه وضع منابع الشعر –بشكل متحدٍ- بعيداً عن منبعها من جبل هيليكون المقدس لربـّات الإلهام. إنه حداثيٌ بشكل ملحّ. البعض قد يجادلون بأنه يكون –أو كان- بشكل فطري هداماً. مارگوتيت ميرفي ترى في كتابها "تراث الهدم" 1992 أن ثمة طابعاً عدائياً يسم هذا الجنس الأدبي. آخرون انجروا وراء صيغة ترميزية تربط بين قصيدة النثر وخطاب الطبقة العاملة التي تقلل من شأن البنية الغنائية للبرجوازية العليا. كثير من الأمثلة والسوابق تستعصِ أو تصارع هذه الفكرة السلسة، وبدأ المعلقون بالتأكيد على شمولية هذا الجنس وليس على خواصه الهدامة المزعومة. في حين يبدو أن التعميم الوحيد الذي يمكن أن تقوله بأمان فيما يخص قصيدة النثر هو أنها تقاوم التعميم، فنجد أن مصطلحات معينة تتكرر في المقالات والنقاشات النقدية. قصيدة النثر هي جنس هجين وشاذ ما لم يكن متناقضاً أو تناقضياً بشكل ملطَّف. إنه يقدم فتنة الهروب سواء من السلسلة اللامرئية من الأنا الأعلى أو من السيطرة الثقيلة للسطر الإسكندري الذي كسره تشارلز بوديلير بحماس في قصائده النثرية القصيرة 1862 والتي افتتحت جنساً جديداً في فرنسا. وعاجلاً أو لاحقاً في نقاشنا سيقال إن قصيدة النثر –التي وُلدت كتمرد على التراث – أصبحت في حد ذاتها تراثاً. وسيلاحظ بشكل يلاقي القبول أن قصيدة النثر تطمس الحدود. "تربيتي الأدبية الرسمية لا تتفق مع ما يسمى بالإنگليزية "قصائد نثر" وأنا لستُ متأكداً إطلاقاً ما الجنس الذي يتوجب علينا". هذا ما كتبه دبليو.إس. ميروين في 1994 حين أعاد طباعة "أطفال عامل المنجم الشاحبون" (1970). وأضاف "لقد أحييتُ ما اعتقدتُ أنها سوابق: أجزاءاً مبعثرة، مقالات، مطالع صحافية، تعليمات وقوائم، حكايات شفهية وخرافات. ما كنت أتطلع إليه هو جعل القصيدة كاملة، لكن ما كنت أكتبه كان نثراً وكنت مسروراً حين أثارت هذه المقاطع الأسئلة بخصوص الحدود بين الشعر والنثر، وأين نعتقد أنها يمكن أن تكون".

يبدو أن كلمتيْ شعر ونثر ندّان طبيعيان. شاعر النهضة الفرنسي پـيير رونسارد يرى بأنهما "عدوّان قاتلان". كان ماثيو آرلوند يلعن الشعراء درايدن وپوپ ويسميهما "كلاسيّي نثرنا". أوسكار وايلد هذّب بذكاء هذه الإهانة: "ميريديث هو براونگ النثر، وهكذا براونگ، فقد استخدم الشعر كوسيط لكتابة النثر". في هذه الأمثلة النثر هو الذي يحمل الشحنة السالبة، لكن العكس يمكن أن يكون صحيحاً أحياناً. لن يشتكي كل شاعر يُتّهم بكتابة الشعر النثري ما دام يرى في بودلير باريس 1862 مثالاً له. بلا شك أن الشعر والنثر سيستمران في الوجود في علاقة تناقضية، لأنهما – خاصة الشعر- لا يصفان بشكل حيادي بل يحويان معنىً تقييمياً. هذا يُعقّد أي نقاش يخص قصيدة النثر، وربما يذكرنا دوماً بطبيعتها التناقضية الملطفة. برغم ذلك ثمة طريقة واحدة للحسم، فبمجرد أن نقبل أن النظم هو أمر تجميلي للشعر وليس خاصية ضرورية حينها يتقلص التناقض في مصطلح قصيدة النثر. إن النظم والنثر هما ضدان حقيقيان، والاختلاف الصامت بينهما هو في كون حدوث النظم في سطور شعرية بطول معين يحددها الشاعر، في حين يستمر النثر لنهاية الصفحة. حسب عبارة ريتشارد هاوارد فإن النظم يتوقف –حيث ينتقل القارئ عند نهاية السطر- بينما يواصل النثر. إن شكل قصيدة النثر ليس غياب الشكل، الجملة والفقرة يجب أن تحلاّن محل السطر والفقرة الشعرية، ونلاحظ فيها قوانين أقل وتقاليد مسيطرة أو قواعد وتراث مختلف، لأن قصيدة النثر تاريخها قصير نسبياً وتمتعت بطبيعة لا منتمية معظم ذلك الوقت. لذلك يمكن أن تبدو كتابة النثر أكثر تحرراً وخروجاً عن المألوف. إنها شكلٌ يدعو ممارسه أن يعيد إبداعه.

التعريف الأنجح جاء كقول مأثور من تشارلز سيميك "قصيدة النثر هي نتيجة دافعيْن متناقضين –الشعر والنثر- ولذا لا يمكن أن تتواجد، لكن أن تفعل". وأضاف "هي حالة فريدة حيث تكتمل الدائرة". في موضع آخر يقترح سيميك تشابه بين التفنن في المأكولات وهذا "الهجين الأدبي الحقيقي"، هذا "الخليط المستحيل من الشعر الغنائي والحكاية والخرافة والقصة الرمزية والنكتة والكتابة الصحافية، وأنواع أخرى من النثر". قصائد النثر هي "معادل لأطباق طعام مثل الباتيليه والبامية والتي تحوي تنوع كبير في المحتويات والنكهات، وهذا في النهاية بفضل فن الطبخ، الذي هو خليط بشكل أو بآخر، عدا ذلك فإن هذا التوازي ليس دقيقاً. إن الشعر النثري لا يتبع وصفة معينة، الأطباق التي يخترعها لا يمكن التنبؤ بها، وغالباً تتنوع من قصيدة لأخرى". وفي فلك الاستعارة المطبخية يعلّق جيمس ريتشاردسون قائلاً إن الطبيعة المتنقلة لقصيدة النثر لها علاقة بالطماطم، التي قد تكون فاكهة في التصنيف النباتي لكنها تصبح من الخضراوات إذا أردتَ أن تعدّ سلطة فواكه.

مشكلة المصطلحات تبدو كـ "ثألول يؤرق الإنسان السعيد" كما تلاحظ ماريان مور في محاولاتها لتمييز الشعر عن النثر. آمي هيمپل لخصتْ بعض الآراء في عنوانها لمحاضرة خططنا أنا وهي لإلقائها سويةً في كلية بننگتون: "قصيدة النثر، اختصار الاختصار أو اللامنتهية؟" ستكون دائماً ثمة استثناءات، أي قطع نثرية تتحدى التصنيف، أو تصلح لأكثر من تصنيف، لكن الطريقة العملية للاستمرار هي التفريق بين العمل الذي يتصوره الكاتب كقصة وبين العمل الذي يتصوره كشعر. إن الكُتاب غير مجبرين لتصنيف كتاباتهم أمامنا، لكن نواياهم – إذا ما صرّحوا بها- يمكن أن تكون قاطعة. بالنسبة لكاتب القصة فإن قصيدة النثر (أو "اختصار الاختصار") ربما تكون منعشة للروح لأنها تدع فرصة للهروب من مقتضيات الرواية والرواية القصيرة والقصة القصيرة. لكن الكاتب رغم ذلك، ربما ينظر للنتيجة كرواية وليس كشعر. أما بالنسبة للشاعر فإن كتابة النثر تكسبه مدخلاً لعالم الإمكانية الشكلية –حيث تكون القصيدة كحكاية أو رسالة أو وسيط أو ملخص لحبكة- لكن ما ينتجه يظل في تصوره قصيدة. (التدخل التحريري يمكن أن يُعقد المسائل. كينيث كوخ كان مسروراً لأن ثلاث مقطوعات من كتابه "فندق لامبوسا" اختيرت لجائزة "قصائد النثر الأمريكية العظيمة"، ورغم ذلك فقد قال لي أنه لا يعتبر هذه المقطوعات قصائد نثر بل يعتبرها قصصاً بأسلوب ياسوناري كاواباتا في مجموعته "قصص راحة اليد"). من بين المصطلحات المتداولة الآن يبدو أن "اختصار الاختصار" كالملبس الداخلي أو "القصة الومضة" التي تستحضر صورة شخصية غير حليقة في معطف شتائي يغطيه التراب، و"قصيدة النثر" تبدو قليلاً كصوف التويد المكون من ألوان مختلفة. قصيدة النثر تفيد الشاعر حيث لديها على الأقل فضائل البساطة والمباشرة. ربما جاءت المفارقة في قصيدة النثر من اللحظة التي استلم فيها أورسون ويلز قطب صحيفة "سيتيزين كان" برقية من مراسله تقول: "الفتيات مبتهجات في كوبا، هل أرسل لك قصائد نثر عن المشهد؟ لكن لا أنصحك أن تنفق نقودك، ليست هناك حرباً في كوبا"، فردّتْ الصحيفة عليه قائلة: "زوّدنا أنت بقصائد النثر، وسأزودك أنا بالحرب".

لم يكن بودلير أول من كتب قصيدة النثر في فرنسا، لقد سبقه ألويزيوس برتران في عمله الملفت والذي لم ينل قدره "گاسبار الليل" في 1842، لكن كان بودلير هو من افتتح هذا الجنس الأدبي ومنحه اسمه وإقامته المحلية. لقد أعطى كتابه عناوين بديلة إحداها كان "المزاج السوداوي لباريس" والآخر هو "قصائد نثر قليلة". في رسالة لصديقه يكتب بودلير عبارة يقتبسها الدارسون منذ ذاك الحين: "من بيننا من لم يحلم –في لحظات طموحة- بمعجزة نثر شعري، موسيقى بلا تفعيلة أو إيقاع، مرنة وقوية بشكل كافٍ لتكيّف نفسها للدوافع الغنائية للروح وتموجات النفس وهزّات الوعي؟". وليتحرر من المتطلبات المستعصية للنظم الفرنسي الرسمي، كتب بودلير بطاقة جهنمية أن الوسيط النثري يساعدنا على التحرر. لقد وظـّف مفارقة قاسية ربطتْ بين المعاناة والضحك. باريس هي المكان وأحياناً الموضوع، والإنسان ليس أعجوبة، بل مخلوق تافه، شهواني، يثير الغثيان وبذيء.

ربما كانت كتابة قصائد النثر تطهيرية لبودلير. فقد كانت واسطة تمكن بها من تحويل الضجر وأحلام اليقظة لأفعال رمزية. الشيطان المخالف -بعبارة إدگار ألان پو- يخرج من قمقم الظلال مثل الهو الذي لا يتوب. تنتج الغريزة بشكل متعدد في قصيدة نثر جدلية تنصح بأنه من الأفضل ضرب الشحاذ من إعطائه صدقة، أو تنصح القارئ في أغنية نثرية أن "كن دائماً سكـّيراً" سواء "بالخمر أو الشعر أو الفضيلة"، إنها أشبه بسرد هزلي مثل قصة "القزاز السيئ" حيث يستسلم الراوي للحافز الفطري ليؤذي غريباً مرّ بالصدفة، أو بائعاً لزجاج نوافذ لم يفعل شيئاً لإيذائه. من نافذة عالية يسقط أصيص من الزهور على رأس القزاز ويصيح: "اجعل الحياة جميلة! اجعل الحياة جميلة". يعترف الراوي أن مثل هذه الفكاهات تكلف مالاً، لكنه لن يدع ذلك يقف في طريقه. إنه يلجأ لتربية غير أخلاقية مصدرها ملاك ساقط حين يختتم بقوله: "لكن ماذا تكون أبدية اللعنة مقارنة بلانهائية اللذة في ثانية واحدة؟".

"الغريب" وهي القصيدة الأولى في متتالية بودلير تجعل من الشاعر والفنان لامنتمياً وغريباً معظم الأوقات ومقيماً متحرراً من الوهم، ويشعر بوحدته بشكل حادٍ وسط الحشود، وربما تحت ظروف مختلفة قد يلتقط سلاحاً ويجعل من نفسه شرطياً سرياً قاسي القلب. "الغريب" تتخذ شكل حوارٍ قصير، ولذا لا نعلم شيئاً عن الرجل الآخر أكثر مما يقوله كرد على محاور لحوح لكنه ودودٌ، ربما في عربة قطار أو مقهى أو مكان حيادي حيث الغرباء يتقابلون ويشعرون باضطرار للحديث. إنه يعلن لامبالاته للمتطلبات العائلية وحقوق الصداقة والواجب الذي يطلبه الله أو الوطن والمنح المالية. ماذا يحب – "الغريب المبهم"؟ وهنا ينطلق في هتاف غنائي: "السحب تمر بـ.. فوق هناك فوق هناك.. السحب الرائعة!" لماذا هي رائعة؟ ربما بسبب شكلها المتغير بثبات، حركتها الدائمة وبُعدها عن دائرة الحزن البشري. أعطى بودلير اسماً إنگليزياً لعدد آخر من قصائد نثره "أي مكان خارج هذا العالم"، والذي يتضمن أمنيةً رومانسية في الهروب. إنها تبدأ بالتأكيد على أن "الحياة مستشفى وكل المرضى يحتاجون لأسرّة متغيرة". وبشكل مشابه تأتي خاتمة "اعتراف الفنان" رومانسية وذات حكمة: "دراسة الجمال هي مبارزة يبكي فيها الفنان فزعاً قبل أن يُهزم".

إذا كان بودلير قد أغنى قصيدة النثر بحكاياته وأمثلته ومقالاته القصيرة وحكمه، فإن آرثر رامبو أضاف الشيء العظيم في "إشراقات" و"فصل في الجحيم". كتب رامبو حين كان في الخامسة عشر "لا يكون الإنسان جدياً في عمر السابعة عشر" وقد قام رامبو الناضج مبكراً باعتزال الشعر وتوجه إلى أفريقيا لمهنة أكثر "جدية" هي تجارة السلاح. لكنه قبل أن يبلغ العشرين كان قد خلق قصيدة نثر رؤيوية -أو بعبارة مارثا كيني "قصيدة النثر تبدو كفانوس أو كشيء مشرق أو عبارات وصور مسبوكة لكن بالكاد نفهمها". قصائد النثر في "الإشراقات" تبدو كمشاهد ورحلات حُلمية أو شذرات رؤيوية ساطعة لكنها منقطعة. إنها تمثل تقدماً ملحوظاً في التجريد والاقتضاب، وهي ثورية أيضاً في نصحنا بكسر النظام و"التشويش المقصود للحواس" كقانون ضروري.

رامبو -الشاعر الرائي المفعم شباباً وغواية- سيلتقط ثيمة رومانسية ويحولها إلى مصطلحات مجردة معنوية ومتميزة. نتذكر مثلاً قصيدته النثرية "الحرب" من "الإشراقات":

عندما كنتُ طفلاً، ثمة سماوات معينة شذّبتْ رؤيتي: كل شخصياتها انعكست في وجهي. الظاهرة انبعثت.. حالياً، الانعطاف الأبدي للحظات ولانهائية الرياضيات تقوداني عبر هذا العالم حيث أتقابل مع كل مجد عام، يحبه الأطفال مع مودة استثنائية.. أحلم بحرب قوية وعلى حق وبمنطق غير متوقع.

إنها بسيطة كعبارة موسيقية.

هنا نجد الشغل مجدداً على معجم ووردزوورث (كان ثمة وقت عندما كنتُ "مثل ظبية وثبتْ على الجبال... ذلك الوقت مضى وكل متعه المؤلمة لا وجود لها الآن... وتبع ذلك أعطيات أخرى... لذا مازلت عاشقاً للمروج والغابات"). البناء هنا شبيه بما لدى رامبو: الانتقال من الطفولة للحاضر، الضياع الكبير والنية التعويضية الجديدة. على أية حال نجد عند رامبو أن الانتقال من عبارة لأخرى يحتاج وثبة طويلة. العبارات نفسها تبدو كشذرات حرة الطفو، والخاتمة لها رائحة وعيد ثوري بعيدة جداً عن التعزيات التي وجدها ووردزوورث في الطبيعية.

في فرنسا أصبحت قصيدة النثر جنساً أدبياً بشكل سريع، لقد جسـّد النثر التحرر من البحر السكندري المستبد ذي الإثني عشر مقطعاً الذي سيطر على الشعر الفرنسي بشكل صلب، جعل من النظم المرسل الإنگليزي أكثر تحررية وإيجابية بالمقارنة معه. يرى ستيفان مالارميه أن قصيدة النثر تعطي ذريعةً لنغيّر مسارنا أو ندخل في منعطف جديد، قصيدة "الغليون" هي اكتشاف رائع -ما قبل پروستي- للذاكرة العفوية. خلق ماكس جاكوب في "كأس النرد" عام 1917 خرافات تكشف عن منطق عبثي وعن حدود كوميدية أحياناً وعن مناطق لا نتوقع أن نجد فيها تجليات. ثمة جمالية في الحكايات غير المقنعة التي تنتهي بشكل ناقص.. فكما نرى في "شحاذة نابلس" فإن الشخص يوصف لنا -على لسان الراوي الذي يرمي لها بقطع النقود كل يوم- كـ "إطار خشبي طُلي بالأخضر عليه بعض التراب الأحمر وقليل من الموز نصف المتعفن..." واستخدم هنري ميشو بشكل بارع الشخصية النفسية ("أحب أن أضرب الناس") وأبطال ساخرين (پلوم المنحوس الذي اعتقل في مطعم لأنه تناول صنفاً غير موجود في قائمة الطعام)، فرانسيس پونگيه "انحاز للأشياء" في قصائده التي ترفض الأنا الواعية لنفسها، وتكتشف نفسها كدراسات للأشياء. إن إنجاز هؤلاء الشعراء وآخرين (پـيير ريڤيردي، ريني ﭽـار) جعل من باريس عاصمة لقصيدة النثر بدون جدال.

لا تصل قصيدة النثر في البلاد المتحدثة بالإنگليزية أبداً إلى مرتبة الجنس الأدبي، لكنها فيما بعد لم يتعيّن عليها ذلك. الفرصة لكتابة الشعر النثري تحت أي مسمى كانت موجودةً منذ زمن طويل. كما لاحظ شيلي فإن إنجيل الملك جيمس كان انتصاراً للنثر ووسيطاً للشعر "المدهش". يصنِّف كولردج "كتابات أفلاطون وبيشوب تايلور وثيوريا ساكرا من بيرنت" كتجارب لا يمكن إنكارها وأن الشعر الرفيع قد يوجد دون تفعيلة أو حتى دون ما يقابلها في القصيدة، "لا تكتمل قائمة لأسلاف الشعر النثري الحديث دون نثر شكسبير (في هاملت على سبيل المثال "جوهر الرمل" و"الاستعداد هو كل شيء") وعظات جون دن و"قرون من التأمل" لتوماس تراهيرن وترجمة جميس ماكفرسون للشاعر الاسكتلندي أوشن، وكذلك "حكم الجحيم" و"الأوهام التي لا تنسى" من "زواج الجحيم بالجنة" لـ بليك": قائمة متنوعة جداً تقاوم أي محاولة لتنظيمها.

تَديْن قصيدة النثر الإنگليزية بالكثير للفرنسيين، لكنها غيرت اتجاهها بشكل قاطع لتتكيف مع الأعمال الفريدة من نوعها التي تتجاوز التصنيف. في عام 1959 اشترطت الباحثة الفرنسية سوزان برنار وجود أربع شروط على قصيدة النثر تحقيقها. عليها أن تتضمن نية الشعر وأن تمتاز بالوحدة العضوية ويجب أن تكون أفضل مبرر لوجودها وأن تكون موجزة. وبعبارة أخرى فإن قصيدة النثر قصيدة قصيرة وُجدتْ لتُكتب بالنثر، قد يكون ثمة شيء في المزاج الـگالي (ومن ضمنه الفرنسي) ينجذب للتصنيف النظامي، لكن يبدو بأن ذلك لعنةٌ للشعراء الذين قرنوا النثر بالرغبة في الفرار من الصرامة والأوامر. ولا يحتاج الشاعر الأمريكي للإيجاز كمتطلب لكتابة شعره. تحضرني حالياً قصائد نثريةٌ رائعة من الصعب عرضها هنا نظراً لطولها مثل "Caliban to the audience" لـ و.هـ.أودن، و"النظام" لجون أشبري، في عام 1848 كتب پو –صاحب التأثير العظيم على مالارميه وبودلير- بحثاً علمياً زائفاً سماه "يوركا" قام فيه بالتنبؤ مسبقاً بنظرية الانفجار الكبير عن نشأة الكون. سمـّى پو بحثه المكون من 150 صفحة "قصيدة نثر" رغم تصريحه المبكر بأن القصيدة الطويلة هي "تناقض واضح".

هناك بعض المتحمسين لقصائد النثر يقتربون من الموضوع بطريقة شجب وإدانة. تصور سيميك الشاعر في حالة ملاحقة مجنونة لذبابة في غرفة مظلمة: "قصيدة النثر هي تدفق لغوي عقب التصادم مع قطعة كبيرة من الأثاث". يشبّه رسل إدسون –أستاذ الخرافة السريالية الكوميدية- القصيدة النثرية بذريّة الزرافة والفيل، تلك الذرية التي قد تبدو غريبة أو مخيفة لكنها رغم ذلك مرحب بها كـ"حيوان جميل"، أو قد تكون القصيدة النثرية "طائرة حديدية يمكنها أن تطير فعلاً وذلك أساساً لأن الطيار لا يبدو مهتماً بأنها تطير أو لا تطير". حين قارن لويس جينكنز كتابة قصيدة النثر برمي ورقة مكرمشة في سلة المهملات ("وهي مهارة –رغم أنها قد تدعم التناسق بين اليد والعين- لكنها لا تقود بالضرورة للقدرة على لعب كرة السلة") بدا ذلك كما لو أن الإخفاق كان مقدمةً للمغامرة. ربما ذلك وربما الرفاق يملكون من الشيطانية بقدر ما يملكون من الاختلاف. يُفضل جينكنز أن يرمي ورقة في سلة المهملات عن الاستماع لمعلّم "يثرثر بشعر تينسون". وأكد إدسون بمرح على اتساع الجنس الأدبي. "يمكن أن تُسمى أجزاءٌ من "أزرار ظريفة" قصائدَ نثر". هكذا قال لمحاوره الذي سأله عن گيرترود شتاين، وأضاف "يا للجحيم، يمكن للمرء أن يطلق على أغلب أي شيء قصيدة نثر وهذا هو الرائع فيها، فأي شيء ليس شيئاً آخر ربما هو قصيدة نثر". وسأله محاوره: ماذا عن "السبعينات عندما كنتَ أنت وبلاي وتايت وآخرون تكتبون قصائد النثر"، وقد كان إدسون الذي أحس بعطش نحو الأساطير قد رأى نفسه ملزماً بخلق واحدة منها. في وقت ما كانت "قصائد النثر غير مشروعة" وبدأ جيم [تيت] والكابتن [بلاي بعد الكابتن الحازم بليف] نشاطاتهم السرية. "بعد ليال طويلة من الكلام عن قصائد النثر أصبح بإمكاننا الراحة بمحاولة تخمين من الكاتب الشبح الذي كان يؤلف لباقي المجموعة التي ظهرت في جميع مجلات الشعر، إنها بدت كعمل مأجور".

في عام 1970 استَخدَمتْ قصيدة النثر وسائل مختلفة لتعارض أو تهرب مما خلفه الـ"عمل مأجور". قصيدة النثر كخرافة سريالية –حسب إدسون أو ماكسن تشيرنوف- تبدو كخيار اضطراري. قال ميشيل بندكت "ثمة مسافة أقل عن اللاوعي لقصيدة النثر من اللاوعي لمعظم القصائد المنظومة". لم تكن أبداً ثمة خطورة للطابع التقليدي الجديد، لكن ثمة من يراوغ قليلاً بأنك إن ذكرت قصيدة نثر في لعبة تداعي الكلمات فإن أول ما يتبادر للذهن هو السريالي. بلا شك إن قصيدة النثر في أمريكا اليوم يصعب التنبؤ بها –جزئياً- لأنها فصمتْ العرى مع التقليد الفرنسي. أصبح هناك إدراكاً جديداً بأن قصيدة النثر الأمريكية ذات الصفة الوطنية هي أمر لا يمكن وجوده دون أن تسبقها فكرة أمريكا. وهذه ليست قصة جديدة بكاملها، ففي عام 1957 عانى ويليام كارلوس ويليامز في مقدمة كتابه "كورا في الجحيم: ارتجالات" ليميزه عن "قصيدة النثر النموذجية" حيث "طريقها لم يكن طريقي" وذلك رغم الدَّيْن -الواضح في العنوان- لـ"فصل في الجحيم" لرامبو. السؤال عن "ماهية الأمريكي في قصيدة النثر الأمريكية" يبدو ثانوياً لسؤال "ماهية الأمريكي في الشعر الأمريكي" كموضوع مثار حوار ونقاش بشكل لانهائي دون أمل بحلّ، لكن بالتأكيد "رسائل لويندي" لجو وينديروث التي كتبها عن بطاقات الزبائن لسلسلة مطاعم المأكولات السريعة ما هي إلا أحد الأمثلة الحديثة عن قصيدة النثر التي تكسر القاعدة والتي أشبعت بالثقافة الأمريكية وباللغة المحلية للأمريكيين.

استثمر الكُتاب التجريبيون طاقة هائلة في النثر كوسيط شعري بينما وفي نفس الوقت كثيراً ما رفضوا أو قاوموا الدافع السردي. ففي عام 1980 كتب الشاعر اللغوي رون سيليمان بياناً تحت عنوان "الجملة الجديدة" أكد فيه أن الجملة –الجملة المتحررة في النثر والتي تعمل كشعر- ليست وحدةً منطقية بل هي كينونة مستقلة مرتبطة بالجمل قبلها وبعدها بطرق غامضة متعددة ومعقدة. كما علـّق مارگوري بيرلوف على أعمال لسيليمان (تجانتنگ) ولين هيجينيان (صعودي) وروزماري والدروب (استنساخ صور جانبية) "في هذه الأعمال النثرية الجملة –بعيدة عن اتباع ما يسبقها أو تمهيدٍ لطريق ما يتبعها- تبقى مستقلةً نسبياً كونها ناتجة عن تكرار كلمة أو صوت، هذا بالإضافة إلى كونها ناتجة عن التحول الدلالي وهو ما سماه الشكليون الروس "التوجه نحو الكلمة المجاورة". إذا كانت القصائد تشبه اللوحات فإن كتابة قصيدة النثر يمكن أن توازي تجريد موندريان إلى حد كبير.

يمكن أن نستمد نقاشاً كهذا من قراءة لـ گيرترود شتاين لسبب واحد هو اعتبارها أم قصيدة النثر الأمريكية (مثل پو – من خلال تأثيره على بودلير – حيث كان عم قصيدة النثر الفرنسية)، إن قصائد النثر في "أزرار ظريفة" استهلت التقليد التجريبي. كان لدى شتاين نية شعرية ثورية و"أزرار ظريفة" دعمت في معاملة الكلمات كأشياء –في مكانها – وليس كتمثيل رمزي لها. وحتى يومنا هذا لا يوجد هناك من أتقن الموسيقى التجريدية للجمل والفقرات بشكل أفضل، ولا هناك من خرج بشكل متطرف عن التقليدية في صناعة المعنى وهو يخلق شعراً مثيراً بشكل غني. خذ في الاعتبار "كلب" من "أزرار ظريفة" ها هي كاملة:

قرد صغير يصبح كالحمار ومعنى هذا القول معنى هذا القول [التكرار في الأصل] أن تنهداتٍ أكثر راحت أخيراً. انصرف معه، قرد صغير يصبح كالحمار.

في البداية تبدو هذه كنوع من الأحجية كما لو أن مهمة الكاتب أن يقترح شيئاً دون تسميته (إلا في العنوان). فيه سحر وإيقاعاته حيوية لكن فيه شيء آخر أيضاً. ثمة دراما في الجمل وبينها. العبارة المتكررة "معنى هذا القول" تكرر الإلحاح، ثم الأربع نبرات أحادية المقطع في "تنهدات أكثر راحت أخيراً" وأخيراً ظهور الحل في "انصرف معه" حيث الموضوع الاستهلالي. لدرجة ما فإن قصيدة النثر –حسب العبارة الشهيرة لوولتر بيتر – تطمح لحالة الموسيقى، لقد حققت التجريدية لكن ما يعرضه "كلب" أيضاً هو بنيةً تجريدية بالتركيب الذي يسبق المضمون ويساعد على خلق معنى، محملاً كلمات متداولة مثل "تنهدات" و"راحت" قوى دلالية لا نعلم بأنها تمتلكها. وفي النظم نجد التوتر بين السطر الشعري والجملة يمكن أن يكون مثمراً. المثال المعتمد هو مطلع "الفردوس المفقود" حين يعلن ملتون موضوع ملحمته:

منذ الخطيئة الأولى للإنسان، حيث ثمرة [fruit]

من الشجرة المحرمة ذات الطعم المميت

جلبتْ الموت لهذا العالم، وجلبت كل

بلائنا ،

مع ضياع جنة عدن، حتى إنسان أعظم

استعادنا، واسترجع المكان الآمن

انظر بكثب للسطر الشعري الأول، فنهاية السطر لا تتفق مع نهاية الفكرة وانقطاع السطر كان له تأثير على عزل الـ"ثمرة". تم عزل الكلمة بفاصلة ومقطعين غير مشددين عن باقي السطر الشعري، وبمدى من فراغ أبيض عن تواصل الفكرة. العين ملزمة بالتركيز أولاً على كلمة "ثمرة" المعلقة على حافة الفراغ بل يتوسع تركيزنا ليشمل "الشجرة المحرمة". وفي تلك اللحظة المتذبذبة يحدث أمر ما. نفهم –عند إعادة قراءة القصيدة إن لم يكن من القراءة الأولى-بأن "الثمرة" لا تشير فقط إلى الثمرة المادية من شجرة المعرفة أكلت منها حواء وآدم، بل لثمار هذا التصرف. ولا يشير فقط للنتائج المباشرة (الموت، البلاء، الطرد من الجنة) بل العواقب البعيدة (حياة أبدية، استعادة "المكان الآمن"). في النهاية المؤلمة للكتاب التاسع من الفردوس المفقود حين هبط والديْنا الأوليْن ليتبادلا الاتهام بعد خطيئتهما، كان من المستحيل غض النظر عن إعادة ظهور الكلمة مرة أخرى، والثقل الذي أراد لها ملتون أن تحمله:

هكذا هما في اتهامهما المشترك قضيا

الساعات العقيمة [fruitless]

ولكن لا الإدانة

الذاتية،

أو الجدال العبثي بدا ذو نهاية

ذلك جزء من أسلوب ملتون بأن يحمـّل كلمة واحدة معنىً كاملاً من الدراما المسيحية، ما دعاه في البداية الـ"ثمرة الوهمية" يمثل الخطأ والسقوط تماماً كما هي كلمة "موهوم". إنها على أية حال أيضاً عامل الخلاص. الفردوس المفقود هو تنقيح واستفاضة للفصول الثلاثة الأولى لسفر التكوين، وهو يذكرنا بأن الله أمر آدم حين كان لا يزال في الجنة بأن "يكون مثمراً [fruitful] متكاثراً" (سفر التكوين 1:28) رغم أن عقاب آدم أن يكدح في الحقول، وعقاب حواء وهو معاناتها لآلام المخاض والولادة من أجل أحد ذريتها القادمة –ثمرة [fruit]رحم مريم العذراء- الذي سيحمي البشرية، لذلك فإن الطرد من الجنة –كما يراه ملتون- هو سقوط محظوظ. الجنة ضاعت واستردت في آن واحد بأكل الثمرة [fruit]، وفقط الزمن البشري هو الذي فصل الحدثيْن. الكلمة ربطتهما كما هما مرتبطتان في عقل الخالق، وأصبحت مهمة الشاعر إعادة التصوّر السماوي والنهاية كانت واردةً ضمناً في البداية.

في النثر يتخلى الشاعر عن قوى صنع المعاني التي تتمثل في انقطاع البيت الشعري، يجب أن يستخدم الشاعر في النثر بناء الجملة نفسها، أو الطريقة التي تحوّر كل جملةٍ الجملةَ التي تليها لتوليد معنى فائض يساعد على فصل الشعر النثري عن الكتابة العادية. قسـّم و.هـ.أودن عادةً الناس إلى طبقات وأصناف فرعية، وتبنى التضاد مبدأً لبناء الجملة في "فسبرز" والتي قدم نفسه بها نصيراً لجنة عدن واصطف ضد مناصرة اليوتوبية الاشتراكية:

في جنتي، الشخص الذي يكره بليني ذو أخلاق جيدة لأن لا يولد: في قدسه الجديدة الشخص الذي يكره العمل سيكون آسفاً جداً لأنه وُلد.

النقيض يخلق توازناً لكن يدعو القارئ أيضاً أن يزن الموازين. تكرار الفقرات يسمح بالتنوع ذي المغزى، لذا حين أعلمنا بأن المتهرب في القدس الجديدة "سيكون آسفاً جداً لأنه وُلد" وجدنا أن التعبير نفسه يجسد نوعاً من "الأخلاق الجيدة" التي جعلت جنة أودن مكاناً أكثر جاذبية.

يبدو أن جون أشبري يدمج التناقض الذاتي كمفهوم نشط في قصيدة نثره "تقديم لطيف". إنه يفعّل حركة محيرة داخل الجملة:

أكثر الأشياء لا تهم، لكن عجوزة من معارفي تتوقع دائماً كآبة وهلاك وتنبؤاتها هامة رغم أنها ربما لا تتحقق أبداً، ذلك بسبب واحد لأن لا أقلق أكثر من اللازم لكني أود إخبارها أنها كانت على صواب ولكن مخطئة أيضاً، لأن ما تقوله لن يحدث.

الجمل تجسّد تراجعاً وتردداً وتقترح نوعاً من المنطق، لكن في الغالب تكشف أن المنطق وهم، إنها تعمل كنقيض:

حيث أن المرء يمكن أن يكون في حركة دائمة رغم بقائه ثابتاً، مثل عقل حارس طوال الوقت يسابق من فكرة لأخرى.

في كتابة النثر تتخلى عن أشياء كثيرة لكنك تكسب الراحة، في احتمالات الفكاهة والتناقض في الإيجاز القصصي أو في شعور الهروب أو التحرر من التقليد أو التوقع. قصيدة النثر يمكن أن تشكّل عطلةً من صرامة النظم، كما هي الحالة أحياناً في مسرحيات شكسبير، في "هاملت" على سبيل المثال يمكن أن يخدم النثر أغراض "الطبع التهريجي" الذي يتصنعه الأمير ليعتقد الناس بأنه مجنون، وفي مسرحية "جعجعة بلا طحن" –من ناحية أخرى- يمثل النثر الإحساس البسيط، أما النظم فيمثل المبالغة والتهويل والزخرفة. بندكي شاعر قوافٍ سخيف، لكن حبه لبياترس وحبها له وجدا فرصة ليدوما لأنهما ليسا مبنيّان على لغة فنتازية للمغازلة الرومانسية، لكن على تهجمات واحتقارات النثر الفكه.

قصيدة النثر يمكن أن تكون ضد الشعرية وواقعية ويمكن أن تكون بمثابة علاج للزيادات التي يتعرض لها النظم.

كان راسل إدسون مفتوناً بفكرة "شعر متحرر من تعريف الشعر، ونثر خالٍ من ضرورات القصة". ربط روبرت بلاي النثر بـ"الخطاب الطبيعي للغة الديمقراطية"، أما جميس تيت فيرى أن قصيدة النثر "وسيلة فعالة للإغواء وذلك لشيء واحد هو الحزمة البسيطة المخادعة: الفقرة. الناس عموماً لا يفرّون حين يواجهون فقرة أو اثنتين، تقول لهم: أنا لن آخذ الكثير من وقتكم، وإذا لا يعنيكم وتمانعون فإنه ليس معروفاً عني التكلف والبلادة والغموض والعلو، تعالوا إلي". يبرر روبرت هاس سعادته بواحدة من جهوده لأنها كانت "بالضبط ما لم تكن تفترضه قصيدة النثر، لقد كانت أكثر من اللازم كصوت نثر تفسيري". في زمن الكتابة كان يبدو لـ هاس أنه يستكشف إقليماً مجهولاً بشكل تأملي "تبدو نوعاً من الهروب الطويل".

إن أياً من أشكال النثر يمكن أن يؤدي الغرض من النماذج البلاغية التقليدية حتى الاختلاقات المعاصرة. كتب مارك جارمان "رسالة إنجيلية" وكتب جو برينارد "مقالات قصيرة" في شكل قصائد الجملة الواحدة، تخصص جيمس ريتشاردسون فيما يسميه "مسارات" والتي هي حكم وأقوال ومقالات "المساعد الثاني". "ثلاثية بول ڤيولي" استمدت شكلها من دليل التلفاز وچارلز بيرنشتاين استلهم نفس المصدر في مضمون عمله "تناقض يتحول إلى منافسة". "نداءات باردة" لـ تايرون ويليامز يتكون من سلسلة من الهوامش ونص غائب. ثمة قصائد نثر على شكل كتابات صحفية (مثل "عشرين سطراً يومياً" لـ هاري ماثيوز) وقصص مختزلة بشكل كبير (مثل "في منطقة كساء" لـ ليديا ديفيس) ورسالة عشاق (مثل "عزيزي بوي جورج" لـ إيمي گيرستلر) وجعجعة (مثل "دفاعاً عن الشعر" لـ گابرييل گودنگ) واستعراض لغوي (مثل "غفوة شرجية" لـ فران كارلن حيث فقط استخدم حرف علة واحد) ومقالة (مثل "شك" لـ فاني هاو) ومثل سياسي (مثل "الكولونيل" لـ كارولين فروچي) وابتكارات أخرى من النوع الذي لا يمكن تلخيصه بسهولة. تظهر "چيخوف: سداسية" لـ مـارك استراند كيف أن النثر يمكن أن يتكيف مع تعقيدات النظم، تماماً مثل "الغابة" في يوميات إمرسون حيث يمكن أن نعتبرها سوناتا نثرية. ظهور قصيدة مثل "لماذا أكره قصائد النثر" لـ توم والن يشير بأن قصيدة النثر نفسها -رغم الحديث عن طبيعتها الهدامة- أصبحت جنساً واعٍ ذاتياً. حققتْ قصيدة النثر مستوىً لم يسبق له مثيل من الشعبية بين الشعراء الأمريكيين، والأدلة كثيرة لمن يراقب عن كثب المجلات الأدبية. هناك جرائد ممتازة كُرّست بشكل خاص لقصائد النثر. كل من "Key Satchel))" و"اللامعنون" أعطتْ الأولوية لقصائد النثر الأمريكية العظيمة: من پو حتى زمننا الحاضر، وهكذا فعلت المجلات الفصلية التي يبدو أن كلاً منها خص نفسه بأحد أنواع قصيدة النثر. فصلية "الغرب" تخصصت في قصيدة النثر كقصة قصيرة. دورية سينيكا فضلت قصيدة النثر كمقالة غنائية. فصلية "بعد الثامنة" أعلنت بأن مهمتها الشعرية هي إعطاء مساحة للعمل الذي لا يلائم أي نوع أدبي: حيزاً يعرض التوتر بين الشعر والنثر، بينما المجلة المنطلقة من جزيرة رود -والتي عنوانها علامة كتابية للفقرة- تَعتبر الشكل الطباعي للنص هو البنية الغائبة والشكل المثالي. هناك أيضاً مجلات تستمد كل وجودها من المناصرة. براين كليمنتس أطلق مؤخراً "الجملة: دورية الشعريات النثرية" وأسس بيتر جونسون في العام 1992 "قصيدة النثر: دورية عالمية"، انهارت فيما بعد لكن ليس قبل أن تعلن عن نهضة قصيدة النثر وتشكل حالةً مفصلية لها. ثمة مغامرات ساحرة أخرى لقصيدة النثر قد حدثت في العديد من المجلات الأخرى أيضاً. وجدتُ قصائد نثر أود الإخبار عنها في "القبعة والجرثوم والمتألق"، و"الكتابة الأمريكية الجديدة وما يدور في فلكها"، و"مجلة شيكاغو الأخرى"، و"دورية الشعر الأمريكي"، و"الأنبوب والنظم"، و"عظم الفخذ وشفرات المحراث"، و"رسائل وتعليقات أمريكية". وهذه ليست بقائمة شاملة.

سبعة من الشعراء الذين عملوا كمحررين ضيوف لـ"الشعر الأمريكي الأفضل"- سيميك وستراند وأشبري وروبرت بلاي وروبرت هاس وجون هولندر وجيمس تيت- دافعوا عن قصيدة النثر وكتبوا أفضل أعمالهم بهذا الشكل (لو كان شكلاً) أو الجنس الأدبي (لو كان كذلك). كثير من قصائد النثر اختيرت كأفضل الشعر الأمريكي منذ انطلاق المختارات السنوية في العام 1988، وبالتأكيد إشارات على التبجيل المتأخر بدأت تكثر. العديد من المختارات "الدولية" قد نشرت في التسعينات. الأول كان لـ ميشيل بندكت في 1976، إحداهما كان الإصدار التتويجي لقصيدة النثر في العام 2000 والنماذج العالمية المميزة لـ إستيوارد فريبرت وديـڤيد يونگ في العام 1995. الدراسات الأكاديمية الحديثة مثل "أسوار لا مرئية" لإستيڤين مونتيه (2000)، "The Amen can Prose Poem" لـ ميشيل دلڤي (1998) -المتداخلان بشكل يدعو للاستغراب – خصبةٌ ومتنوعة في هذا المجال. الإصدار الأخير من فصلية "ثلاثية" –والتي يديرها كامبل ماكـگراث كضيف محرر- تضم قسماً يدعى "شعريات النثر". قرأتُ مؤخراً مقالاتٍ مثيرة عن الموضوع في دورية "تاكسي المطر وأنتيوچ" وبلا شك فإن المؤتمر حول قصيدة النثر المليء بـ"محاضرات حاذقة" والذي عقد في والبول –هامبشر الجديدة- في أغسطس 2001 كان الأول من نوعه. هذا فرق شاسع عما كانت عليه الحال في العام 1978 عندما أُنكر "الصرح" من قبل پوليتزر. قصائد النثر الممتازة كانت قد كـُتبت لكن ما زالت تبدو سرية. ومؤلف هذه المقالة –والذي رشح للدكتوراه فيما بعد في جامعة كولومبيا- كان قد دافع عن أطروحته في قصيدة النثر الإنگليزية، وقد اخترتُ أوسكار وايلد و گيرترود شتاين و و.هـ.أودن وجون أشبري كأربعة نماذج.

ثمة زخم في قصيدة فرانك أوهارا "لماذا لستَ رساماً" حين يقول الشاعر بابتهاج -وهو بوهيمي مهذب من رسامي الطليعة- في آخر أعماله الشعرية: "إنه حتى في أنا النثر، أنا شاعر حقيقي". ثمة غموض هنا ربما لا يلاحظه القراء في بادئ الأمر. إذا اُختزل الاقتباس إلى "حتى في النثر، أنا شاعر حقيقي" يكون معناه "أنا شاعر حقيقي حتى عندما أكتب نثراً". والنثر سيُحسب ليس كفضيلة ولكن كعيب. لكن بالطبع نقرأ السطر الشعري الذي يعني "إنه حتى في النثر، [ولذا] أنا شاعر حقيقي". كتابة قصيدة نثر تشهد بأني شاعر أمريكي طليعي أصيل 100% (رغم أني حتى هذه اللحظة أكتب نظماً). في حين أنه لا يجب أن نغض النظر عن التورية المفارقة بشكل مميز التي أعطاها أوهارا لكلماته، فإن قصائد النثر تختزن عنصراً من الحقيقة وعنصراً أكبر من الغموض، وفتوّة هي بالضبط ما يجب أن يملكه القراء في أذهانهم حين يستعدون لمواجهة قصيدة نثر أمريكية في كل تنوعاتها المجيدة.

* ملاحظة : هذه المقالة مقتبسة من "مقدمة لقصائد النثر الأمريكية العظيمة: من پو حتى زمننا الحاضر" والتي حررها داڤيد ليهمان عام 2003.

آخر مجموعات داڤيد ليهمان الشعرية هي "الشمس المسائية" (2002) وهو محرر سلسلة "الشعر الأمريكي الأفضل" والتي انطلقت في العام 1988، ومحرر "قصائد النثر الأمريكية العظيمة: من پو حتى زمننا الحاضر".

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات