الدكتور/ مختار أمين:
القصيدة النثرية والحداثة العالمية :
حلي اللغة وبلاغتها من المهد العربي إلى الحداثة العالمية كأسلوب في الكتابة في القصيدة النثرية عن قصيدة / مُنذُ ألفِ نبوءةٍ للشاعرة السورية: نجاح إبراهيم(1)
النـص :
مُنذُ ألفِ نبوءةٍ
مُنذُ ألفِ نبوءةٍ
ماذا أحببتَ فيّ؟
مشيتي المنكسرة إلى داخلي
يديّ العاريتين إلاّ من الصّلبِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ نجاح إبراهيم : شاعرة سورية .
أم عينين ماتَ عشبُهما
على أبواب المدن المنكوبة!
من الجدبِ والانتظارِ والسّهرِ؟!
أم قطارَ السّهوب المقرورةِ
قاطعاً العنق من النّحرِ
إلى النّحرِ؟!
أم خاصرتي المطعونة بألفِ خنجرٍ
من أخوة تسعّروا
وبشرٍ تعهروا
وعواصفَ الجورِ والقهرِ
ماذا أحببتَ فيّ؟
هجعةَ الأعيادِ في أراجيحي
أم كفنَ القصيدةِ على جسدِ حبري؟!
أخبرُكَ..
عن حدائق ولهى باتتْ سريراً للموتِ
وأعمدةِ المصابيحِ الرّاجفة
تدلّت منها المشانقْ
ذماءِ النّبضِ في الشريان!
غزالاً تلاحقه العربان
المسعورون
القادمون من الجهاتِ
للسّماء وصلتْ انكساراتي
هل ترضى انكساراً إليكَ آتي؟!
أم خوفاً ،ثمّ خوفاً
تتشكلُ منه بداياتي؟
برديَ مذبوحٌ بسكينِ العتمةِ
يصّاعدُ في ليلِ أشجاني
من كاحلي حتى صوتي
ماذا تبتغي مِنّي؟
طاعنٌ حزني في المجيء
وجرحي حافٍ ما يني يرشحُ
الآه تلوَ الآه
ودمي هربَ مني إلى دمي
كلّ يومٍ ينطفئُ جزءٌ مني
كلُّ يومٍ أخسر بعضي
قلتَ: عاشقٌ لما بقي منكِ
والقليلُ يزهرُ فيكِ
قومي من الانكسارِ والشقاءِ المرِّ
هاكِ ذراعي
اغتسلي بضوئي
ها إني أجترحُ لغةً
تبدأ بطقسِ الفجرِ
أبتكرُ مواءً لك يا قطتي
وعلى وبرِ دفئي موئي
قومي بي
يجدّدكِ حبّي
أنا المشطورُ بين طهرِك
وندائي
ازرعي منفاكِ وطناً على صدري
أهلةً من فيضٍ أخضرْ
تعالي..
شرّعت بواباتِ شُهبي
محراباً أتلو فيه
عن عشقٍ
جنونٍ
صلاتي
أبثّ في شرايينِ أبعادكِ
احتضاني
وناري
أسمّيك يا رعشةَ القلب!
مرآتي
أنا الضائعُ دونك
لا كنتُ
ولا كانت المُدنُ
دون خرائط هديل يسكن فيكِ
دوّني بأنفاس نداكِ
أنشودةً يندرجُ الرّبيعُ على بساطها
قمراً يمرُّ بدمشقَ وبغداد
يا قدري المنتظر!
مُنذ ألفِ نبوءةٍ
أراوده الحيرةَ
الاحتفاءَ
مثلَ هاجر لاهثةً بين جبلٍ وجبلِ
يَمضّني السّهدُ والقلقْ
أنا يا طفلتي!
رجلٌ من شجرِ
أبتغي ناراً
أطوي بها صفحاتِ بردكِ
وأنتِ يا كتلةً من أنقْ
البرقُ والشرر
ارتعشي في خلايا ترقبي
وكوني -كما كنت-
الألق.
التحـليل :
عندما تأخذنا الأحزان إلى مرفأ الوطن، ويغدو وجع الذات وجعا على وطن، ألما ينخر فيها من إثر سكاكين تنخر في جسد الوطن، تصبح أشلاء الوطن تتصدر معالمنا.. صورة كربونية داخل ذواتنا..
هنا الشاعرة الراوية حبيبة تنعي حزنها على وطن منكوب تجسّد على معالمها؛ فرأت نفسها أطلالا يصبغها؛ فتقول للحبيب ماذا بقيَ مني؟ وتبدأ في استعراض ما حدث فيها بعد نكبة الوطن..
لا أعرف أدرج هذه القصيدة تحت مسمى أدبي غير أنها رثاء، ولكن أيّ رثاء؟ رثاء أنثى قد جفّ نهر أنوثتها؟ أم رثاء لوطن ضاع وخرب في إسقاط على معالم أنثى تحطمت مثله، أو تحطمت بتحطيمه؟.
الاحترافية والتكنيك:
في تراث الشعر العربي القديم ديباجة، قد نراها تتجلى عند فطاحل الشعراء العرب كل على حسب منهجه وذوقه العام، مثل المتنبي وامرؤ القيس والأخطل وعنترة، وغيرهم كثر حتى بعد ظهور الإسلام وفتوحاته من المشرق إلى المغرب، وبعد عصر ما بعد الخلفاء الراشدين، نجد الغزل هو روح الشاعر العربي حتى في قصائد الرثاء والهجاء والحزن والمأساة، لا تخلو غالبية مقدمات القصائد منه، وهذا ما جعل كل إبداع العرب القدماء يتلخص في الشعر والبلاغة، حتى برعوا في فن الخطابة من بلاغة اللغة العربية حتى قبل نزول إعجاز اللغة -القرآن الكريم- وهم في براعتهم، وإن نتاج البلاغة بعلومها: علم المعاني ـ علم البيان ـ علم البديع، والنقد الحديث ما هم إلا إمتدادا لهذه الفصاحة العربية الأولى على مستوى العالم..
وإن من عظيم دهشتي لهذه القصيدة وبنيانها وتراكيبها وصورها البديعية، أنها نجحت ببلاغتها وفصاحتها أن تقنعني بمعكوس مضمونها، رغم إتقانها بالصوت الظاهر على معالم أحاسيسها وألفاظها تعكس أحاسيس أنثى، وكم من عظماء شعراء العرب تميزوا في هذا..
في التحليل النفسي باب كبير يدرس دراسة الشخصية وهو الإسقاط، الذي يفسر بوح الحالة، ومخرجات ما بداخلها وإسقاطه على الواقع من حوله، يفسر السريرة، ويأخذ منه معكوسه، أو أنّاته الطبيعية، وفي الأدب ما يعني بالرمزية التي جرفها موج بعض المحدثين الغرب في أعمالهم إلى المغايرة مثل إدجار ألن بو، وقد تأثر به كثيرٌ مثل: مالارميه، وفاليري، وموبوسان، وكان المؤثر الأول في فكر وشعر بودلير أستاذ الحداثيين في كل مكان، بأن يكون الأدب كاشفا عن الجمال، وقام المذهب الرمزي -الذي أراده بودلير- على تغيير وظيفة اللغة الوضعية، بإيجاد علاقات لغوية جديدة، تشير إلى مواضيع لم تعهدها من قبل، وكان يطمح أيضا إلى تغيير وظيفة الحواس عن طريق اللغة الشعرية، ولذا لا يستطيع القارئ أو السامع أن يجد المعنى الواضح المعهود في الشعر الرمزي..
أليس من الطبيعي جداً أن يسلك هذا المسلك في الأدب والشعر، من كانت مراحل حياته منذ الطفولة نموذجا للضياع والشذوذ، وقضى شطرا من شبابه في الحي اللاتيني بباريس، حيث الفسوق والانحلال والابتذال والعلاقات الشاذة، ثم لاذ في المرحلة الأخيرة من عمره بالمخدرات والشراب؟!.
هكذا كان بودلير، وكان -إلى ذلك- مصابا بالنرجسية وانفصام الشخصية، فكان يحب تعذيب الآخرين ويتلذذ به، كما يقول إبراهيم ناجي مترجم ديوان بودلير "أزهار الشر" ومصطفى السحرتي مقدم هذه الترجمة، على أن الطريف أنه حتى فرنسا على ما فيها من انحلال وميوعة ومجون وفساد، منعت نشر بعض قصائده عندما طبع ديوانه في باريس سنة 1957م، وتوماس إليوت، ووصل كل من الاثنين الآخرين إلى الخروج الكامل عن كل موروث قديم من تراكيب اللغة، وتعتبر قصيدة "الأرض الخراب" لإليوت، معلقة الحداثيين العرب بما حوته من غموض ورمزية حولت الأدب إلى كيان مغلق، تتبدى في ثناياه الرموز والأساطير واللغة الركيكة العاميّة..
ماذا نريد أن نقول هنا؟
أن الحداثة الغربية في الأدب، وما أخذه العرب الحداثيين من الغرب في هذا الشق على التحديد، أنهم ميّلوا الرمزية إلى المغايرة في أسلوب الكتابة، حيث تنطق أناهم على الورق بعكس ما يبطنون وما يبدون في الحياة، وعكس سلوكياتهم، وأخذت المؤسسة النقدية هذا الاتجاه نظرية لدراسة الأسلوب في الأعمال الأدبية، وما أنتجته من تشويق وانجذاب وحماس، وتوحّد المتلقي مع القصيدة والنص الأدبي، وهذا هو نجاح "نجاح إبراهيم" كشاعرة احترافية في القصيدة النثرية، لأن في حقيقة الأمر أن راوية القصيدة تهفو للحب، وتعشق حبيبها وتذوب عشقا فيه، والأسلوب الاستنكاري التي تستفسر فيه من الحبيب ساخرة "ماذا أحببتَ فيّ؟" وكل وصف معاكس مغاير أتى بعد هذا السؤال الصريح هو في حقيقته لوعة وحسرة على ما كانت عليه في أبان أول زمن تكوّن فيه حبهما، أو معاكس لهيئتها التي يراها الحبيب عندما قالت :
"مشيتي المنكسرة إلى داخلي
يديّ العاريتين إلاّ من الصّلبِ
أم عينين ماتَ عشبُهما
على أبواب المدن المنكوبة!
من الجدبِ والانتظارِ والسّهرِ؟!
أم قطارَ السّهوب المقرورةِ
قاطعاً العنق من النّحرِ
إلى النّحرِ؟!
أم خاصرتي المطعونة بألفِ خنجرٍ
من أخوة تسعّروا
وبشرٍ تعهروا
وعواصفَ الجورِ والقهرِ"
كل هذا الوصف هو بدا كما وصفت ورأت فيه نفسها بعد دمار الوطن واستباحته حتى من العربان، حتى من الأخوة بني الجنس الواحد، وتتابع بعد تكرار السؤال "ماذا أحببتَ فيّ؟" معاني أخرى استغلتها بفعل الإسقاط الرمزي على وصف وطن تحطم وتحطمت معه، حتى رد الحبيب عليها بما معناه تعالي إليّ، ارمي أحمالك ومتاعبك عليّ حتى أبدل بحبي لكِ كل هذا، وأعيدك من جديد في صور في منتهى الإتقان والإبداع :
"قلتَ: عاشقٌ لما بقي منكِ
والقليلُ يزهرُ فيكِ
قومي من الانكسارِ والشقاءِ المرِّ
هاكِ ذراعي
اغتسلي بضوئي
ها إني أجترحُ لغةً
تبدأ بطقسِ الفجرِ
أبتكرُ مواءً لك يا قطتي
وعلى وبرِ دفئي موئي"
ما أروع كل مقطع، وما أروع كل صورة شعرية مبتكرة ببساطة الألفاظ، شيدت معمارا إبداعيا حسّيا ينظر ويحس ويعتمل به الفكر، استطاعت أن تجعل المتلقي يتوحّد مع مشاعرها وتجذبه، ويغوص من أول حرف في القصيدة حتى آخر حرف…
بكل صدق ومحايدة أني استمتعت على مدار وقت ليس بقليل أمضيته مع هذا القرض الشجي المفيد، لشاعرة متمكنة يسمو بمشاعر المتلقي وأحاسيسه، وأنا أقول في كثير من مقالاتي: "ما للأدب من أدب إلا وفي بادئه أخذ الألباب بالتشويق والانجذاب في هيئته وصورته، وصياغته، وفكره، ومضمونه، وبتعبير آخر: ما أجمل الحبيب بحلّيّ ثوبه الأنيق المضفّر المقصّب المطرّز المبهر على نفيس القماش".
