الشتاء قادم
تاريخ النشر : 2019-10-30 20:30

نور بعلوشة:
بدأت رائحة النار والحطب تعوم في الشوارع، يستخدم السويديون حطبًا كثيرًا لاشعال المدافئ وتدفئة البيوت، يقومون بذلك على مدار العام تجهيزًا للشتاء الذي لا نعرف كيف سيهاجمنا .
كنت أتمشى أمس مساءً في المنطقة، جذبتني رائحة الحطب، في منطقة أعيش فيها منذ عامين لكن لا أعرف أحدًا، شعرت وكأن البيوت تحضن بعضها، الرائحة المألوفة التي تذكرّك بالكانون والأغطية والبرد وجلسات الإخوة الذين تفرقوا في البلاد، وتعجبت : كيف لرائحة واحدة أن تأخذك كاملاً لحدث مختلف زمانيًا ومكانيا.
عدت للبيت، أخرجت قطع جوافة مثلجة، وحضرتها كي أضعها بجانبي قبل النوم، أفعل مثل هذه الأشياء كي أحافظ على ذاكرتي، أنا لا أحب الجوافة لكنني أستخدمها لأبقى على تواصل مع شجرة الجيران التي تسلقناها حتى تكسّرت أرجلنا بحثًا عن حبة واحدة، كانت أكثر الفواكه ألفةً، أضعها بجانبي فأنام.

أضع قطعة بطيخ أحيانًا، فأحلم بجلسات البطيخ والجبنة البيضاء برفقة العائلة.
كانت هذه الروائح أفضل من الأقراص المنومة، تنام مثل طفل سعيد بجانبها.

في أحد المرات، وضعت "عِرق ريحان" وانفعلت وقتها الذكريات في المنزل كأنها عفاريت، هذا ما أفعله كي أحفظ ما تبقى من قلبي، في بعض الأحيان علينا أن نبقي على بعض الذكريات حيةً، حتى نشعر بالدفء، في هذه البلاد، لا شيء يدفؤك مثل ذكرياتك، ولا شيء يقتلك أيضًا مثلها إن زادت عن الحد.

لم يعد بإمكاننا أن نهدم المعبد كله، وكل محاولات الترميم، لن تغيّر من هويتك وجذورك، ذاكرة الرائحة لا يمكن أن تموت.