الروابط المقدسة بين الشاعرة والوطن / عند الشاعرة آمال عبدالقادر صالح الزهاوي
تاريخ النشر : 2021-12-04 20:37

جعفر كامل*:

في سياق تطورات القصيدة الحديثة أخذ الشعر العربيّ يُعبّر عن خاصيته الجديدة بأشكال واساليب مختلفة، باستثناء المعقد والغامض منه بما سميَ بقصيدة "النثر" أو ما سمي بالإبهام في شعر الحداثة كما عبر عن هذا التوصيف د. عبدالرحمن محمد القعود، عند الكثير ممن أغرقوا المواقع الإلكترونية بهذه النصوص المنثورة، ومع هذا تستمر القصيدة الشعرية تتغذى باللغة الرصينة، والفنية التي تحكمها بنيوية ذكية تغذيها مهارة الشاعرة، ومن خضمّ ذلك الواقع غير المعقد جاءَ الشعر واضحًا يميلُ إلى سهولة فهمِهِ وإدراكه، من حيث مصبّاته الفكريّة والمشاعريّة، وقد اختصّ الشعر بجماليّته وبلاغتِهِ وتباين طبيعة التأمل، وما تورده الشواهدُ وترسمُهُ المُتَخَيَّلة، التي تتصرف في الصورة المحسوسة، المجانسة للمجاز اللغوي بتأثير قدرة الشاعرة على توليد النص الإيحائي، بوازع تميّز اللغة التي تلاقح اتفاقًا نحوياً بين أنا الشاعرة والموهبة، وبين مقايسة مفهوم المنظوم الشعري المتمثل بمظاهر وآليات مصباته التعبيرية.
منذ زمن كانت النصوص تعلو ذكيّة في بحور العشق والغرام والثأر والتحدّي، التي تمنح المكنونات الحسيّة غايتها القصوى، من لغة طبيعتها ومؤثّراتها وحاجة واقعها، خاصة بعد ظهور التكنولوجيات وصراع الدول على المكان، وعلى منابع المال والبؤر الاستراتيجيّة، ظهرت تحوّلات اجتماعيّة وصناعيّة هائلة، زحفت نحو مُجمل العلوم والآداب، فكان رأس المال الماليّ يتحكّم بمصير الإنسان الغربيّ، بينما الانتماء للأحزاب والطوائف والمذاهب انحصرَ في العالم الشرقيّ.

وهذا التحوّل الذي أيقظ الأديبَ العربيَّ باتّجاه أن يشارك هذا التغيير إلى تحول أفضل، من حيث وارد ميوله الأدبيّة، خاصّة بعد الثلاثينيات من العصر المُنصرم، فأصاب ما أصاب الشعر من تجديد نوعيّ على يد شعراء سمقت قاماتهم نحو العلا، أمثال الشعراء: الجواهري وأبي القاسم الشابي، وجبران خليل جبران، والرصافيّ، والفيتوريّ، وإن كانت تلك الحداثة تعني التغيير المحدود، إلاّ أنّها فتحت الأبوابَ أمامَ هزّة تغيّريّة واضحة وكبيرة، أحدثها صاحبُ الشاعريّة الخالد بدر شاكر السيّاب، في قصائد مثل قصيدة " هل كان حبًّا " وانشودة المطر" وغيرها، وبهذا التبدّل من العموديّ إلى قصيدة التفعيلة التي اعتمدت نظام الشطر، وبعد هذ التحول الذكي وُلدت نُظم شعريّة أخرى سُمّيت بالقصيدة الحُرّة، وهي هجين من نظاميْن شعريّيْن العموديّ والتفعيلة، لكن بُنيتها الداخليّة ترتكز على التحولات النهضوية، أبرزها مفهوم الهوية على مضمون النصّ الزاحف نحو البنية النثريّة، حتى جاء الجيل الستّينيّ فتوسع بكتابة قصيدة النثر، ومن أهمّ شعراء ذلك الجيل برز: البريكان، طراد الكبيسي، فوزي كريم، حسن عبدالله، عباس بيضون، محمّد الماغوط، شوقي أبي شقرا، يوسف الخال، توفيق الصايغ، فاضل العزاويّ، سامي مهدي، حسب الشيخ جعفر، سركون بولص.
باشر هؤلاء بتأسيس مرحلة جديدة من مراحل تطوّرات شعريّةِ الحداثة "قصيدة النثر"، وقد دعَوْا ضمنًا عبر البيان الشعريّ إلى كسر نظام قصيدة التفعيلة، التي انتشرت على يد الروّاد خلال أربعينيات القرن المنصرم، فتشكّلت قصيدة النثر وانتشرت بقوّة "النار في الهشيم"، حتى أسّست ثلاثة أصناف من الشعراء ومنهم:

1- الشاعر الموهوب: وهو الشاعر المؤَوَّل في بينية الملامح الحسيَّة، يكتب على سياق جناس ضوئية الشاعرية، سواء أكان في الفصيح، أم الشعر المحكيّ، أم كلاهما، عند مظفر النواب، ومنهم كاتب هذه السطور "جعفر كمال".

2- المؤلف الذي يسفط الغموض بدون وزن أو بناء شعري محكم، على غير ما يسرَّ أو يرضي.
3 – المقلد أو المتناص الذي يهتم بأسلوبية تنتهج تضاعيف ضروب التناصف المعقد. ومن هذا المنطلق تَكَوَّن كمٌّ هائلٌ ممن أسمَوْا أنفسهم بالشعراء، وخاصة في الجانب النسويّ مع تحرّر المرأة الاقتصاديّ والاجتماعيّ، بعد أن كانت المرأة تخضع لهيمنة الرجل عليها في دولتها الأمّ "المنطقة العربيّة"، وأستثني هنا في هذه النقطة بالذات العائلات "الشيوعيّة والمسيحيّة"، لكن بعد الهجرة المُدوّية في الستّينات التي تكلّلت في السبعينات من لبنان إلى الغرب، وفي الثمانينات من العراق إلى أوربا، هناك أصبحت المرأة مسؤولة عن حريّتها الخاصّة في دول اللجوء التي اختارتها، حتى أصبحت حرّة طليقة العمل واللسان، سواء أكان الأمر في وضعها الاجتماعيّ أم الاقتصادي، كذلك نجحت في تمييز اختيارها العاطفيّ.
ولكن مع كلّ ذلك الضغط العائليّ العربيّ على حرّيّة المرأة، برزت مبدعات فاض إحساسهنّ بانفعالات شعوريّة تضيء بواعث القيم الفنيّة اجتهاداً مكللاً بالنجاح، عبر ولادات وشائج ذلك الاختلاف الذي يمزج بين الشاعرة الموهوبة والشاعرة المؤلفة، من لدن ثقافات الموروث التضاديّ، فكان تناظر التصنيف الأدبيّ عند الشاعرة العربية ينصبُّ مداه في اتّجاهيْن:
الاتّجاه الأوّل: الجانب العائليّ المادّيّ الذي يسمح للمرأة التعليم والنشر واللقاءات والسفر خارج البلاد.
أمّا الاتّجاه الثاني: هو الجانب العائليّ المُتشدّد، وهنا تكون المرأة واكبت المسيرة الأدبيّة بجهودها السرّيّة الخاصّة، مستجيبة لمسيرة إبداعها المعلن في ذاتها، بطريقة غير مباشرة، أو تكتب وتنشر باسم غير اسمها، كما هو الحال في مجتمعات الخليج العربيّ، باستثناء دولة الكويت قبل وصول الفصائل الدينيّة المتطرّفة لقرارها.
في هذا الفصل الثاني من كتابنا النقدي: "التباين في الشعر النسوي العربي المعاصر.." نتناول الشاعرة آمال الزهاوي، لِما لها من وعي تنويريّ ثقافيّ في مسيرتها الأدبيّة، فقد أصدرت الشاعرة عدّة مجاميع شعريّة، كلّها تصب في براعة المغايرة والتحوّل إلى الجديد والمختلف، وقد تكلّلت مسيرتها الشعريّة بالقبول والرضا من قبل القرّاء والنقّاد والمثقفين، لِما لها وعليها من أهمّية وتأثير على المسار الأدبيّ العامّ، فنحن أمام شاعرة سيطرت على سياق الصور الشعرية من بطائنها المُعبرة عن الذائقة الحلميّة والإنسانيّة، مقرونة بالأفكار المثاليّة الاستدلاليّة المتباينة بالتَّجَلَّي الذاتي، فإنّ من المناسب أن نتوقف قليلاً ونسأل: هل وصلت الشاعرة الزهاوي من حيث الصرف والتأويل في ما اشتق من فاعلية التجلي الذاتي وخصوبة المَلَكَة النفسانية، إلى ما وصلت إليه من مواهب بلغت الصفة الإبداعية، كما هو الحال عند عاتكة وهبي الخزرجي.
تداول عند الكثير من النقاد العرب على أن الشاعرة الزهاوي تواصلت مع مصاف المستوى الشعري عند نازك الملائكة أو أكثر بقليل، خاصة في تحوّلاتِ نصوصها الإيقاعيّة، وفي الوقت ذاته نقرأ حاصلاً شعرياً مُحكَماً بالرمزيّة الصارمة، لِما تضمّنه من أفكار تتباين في تحكيم الصورة الصوتية والصورة الإيقاعية،، فكلما أطلتُ القراءة في أعمالها الشعرية بدا لي تميزها اللغوي والتقني المتفتح بأفكاره الملبية للحداثة، وذلك ناتج عن إطلاق مناخ بصريّ في الدلالة الشعرية العميقة المتحولة، التي جعلت من جملتها الشعريّة جاريةً على الأقيسة التي تستعذب المزايا النحوية، باتجاه تضمين صحة السَّبْك بسهلهِ الممتنع الواضح في اختلاف فصاحة اللفظ المعني بتميّزها عن شاعرات جيلها العربي بشكله العام، وتلك الخصوصية جعلتها ترتقي إلى مواضع أكثر حساسية في قرار سُلّمها إلى ما تقتضيه فضاءاتها الشعرية من تدفق لغة تُحرّك قابليّة النصّ إلى سهولة التلقي وثنائه على أعمال مترابطة الخلايا، حيث لا طرق مغلقة ولا زوايا مظلمة تعيق رغبة المتلقي بمواصلة القراءة لنصها حمال التنوع الفني.
وهذا طبعاً من خلال جواز البنية اللغوية الماثلة في ذاكرتها، لِما تحتمله فصاحتها من جودة المعاني وتكثيف بلاغة العلوم التنويرية، بكونها باعثاً نوعيّاً على دلالة نجاعة تحولاتها المُحكَمَة على نحو مقبول، لأنّ النصّ الشعريّ الناجح يستقيم في ماهيته، باعتباره مُبصراً من حيث تفاعلاته الماديّة، وسطوع توازن قيمة أفق مصب الشاعرية، وبديع ذائقة اللغة المحصنة بنحوها، من مخصوص التلقائية المؤثرة في ما يتطلبه النقد الثقافي من وَصْلٍ بين صوارف الشاعرية وسائر أبواب التشبيب. يأخذنا فردريك نيتشه" إلى ما يراه محكماً: "أننا نضيء على الآخرين أيضا، ونحب أن يروا فينا الجانب المضيء، بهذه الحيلة نساهم في ملكة الإنارة التي لدينا أن يتمثل بها الآخر1"
كذلك يقول جانيت ديلون: " أن قانون الطبيعة مفهوم يوازن بين الاهتمامات الفردية والجماعية، بين النظام الخلقي الداخليوالنظام الخلقي الاجتماعي، أنه يحاول التوفيق بين الحرية الفردية، وبين طاعة الأخلاق المعترف بها جماعيا2 " والغاية ألا تراني بعين مَن أنا، بل ما هو مطبوع بأثر قيمة لها وزنها التنويري بمحصل مواجهة الحركة الأدبيّة العالميّة، أي ما توافق أو تقدم على جملة من المطبوعات التي تلتقي مع شروط التحوّل المنسجم مع الاتجاه الأدبي الجديد على الساحة العالميّة، وفيه ما يُلحُّ على المتلقّي أن يُبحر عميقًا في المختلف النوعي، موقِظًا كلّ قدراته الثقافيّة والمعرفيّة والعاطفيّة، لحلّ رموز جدليّةٍ تُسلّط الضوء على المضامين. وكما هو رأي عبد الرحمن الكواكبي، وهو أوّل من نادى بفكرة العلمانيّة حسب مفهومها الأوروبّيّ قوله: " إنّ مسيرة الأدب العربيّ واكبت الحركة التطوّريّة بتنوّعٍ فكريّ جديد3"، وهذا واضح في البيان الشعريّ الذي صدر في الستينات من مجموعة شعراء، وكان البيان يُعلن توظيفًا بُنيويًّا لأسلوب قصيدة النثر، وهو يعني الأسلوبيّة المُجدِّدة للقصيدة العربيّة، وحسبي أنّ آمال الزهاوي ومن خلال قراءتي لها، وجدتها شاعرة لها أسلوبها الفنّيّ حيث يروم إلى حثّ السير نحو:
أوّلاً: ما يَبسطه الخيالُ من خصوبةٍ يَسقيها العقل بوحيه.
ثانيًا: التلقّي الانفعاليّ الذاتيّ المُنتِج لمراحل النموّ التحولي عبر القراءات والكتابة المستمرّة.
ثالثًا: الهزّة الشعوريّة التي توقِدها المفاجأة وحيًا مُعيِنَاً، يعكس تصادماً بين الخيال المعنوي، ومستوى الوعي التفاعلي الشعري المبني بناءً حسناً باتجاهه الجديد.
يتحدّث عالم النفس البريطانيّ توم شيبي " T. Shipley" حول أثر الخيال الأدبيّ فيقول: "كان الطراز الأدبيّ السائد خلال القرن العشرين هو الطراز الخياليّ الذي استمرّ ازدهاره خلال القرن الحادي والعشرين. 4" وهنا يقصد شيبي في موضوعة "الطراز الخياليّ" هي مناجاة فيض للمشاعر القابلة للتفاعل مع ولادة النص في زمن قصير بوازع الإيحاء وحَوْم الهَوَى الذي يحاكي تأملات الذات، متخذا منها تضمين العناصر البنائية بتأثيرات المشهد الشاعري، فتكون الفنتازيا أولى التحوّلات التي تنصبُّ من قرار السياق الرومانسيّ، المولد خصوصيته بتلاقح وحيوية الشاعرة على التفاعل النوعي مع المتخيل، وقد اجتهد في هذا النوع من الإبداع الشاعر الإنكليزي جون كيتس في غالب أعماله، ففي قصيدته: Hyperion - هايبيريون" مع أنّه تحدّث عن الميثولوجيا اليونانيّة بين "أبولو" وهايبيريون، وكلاهما: إله الشمس، إلاّ أنّ تلك القصيدة تمتاز بطلاوة الفنتازيا المُلقّحة تدفّقاتها بالعمق الاسطوريّ المكانيّ.
نأخذ من أعمال الشاعرة الزهاوي ديوان:
آبار النقمة، وقصائد أخرى..
قصيدة: دجلةُ والريح..

=
ما للشواطئ قد جفت نضارتها
وذي الحدائق حطّت عبرها النّقمُ
ما كان .. كان فلا الأوتار صادحة
أين الضجيج بالناس يتسم

1-نيتشه، فردريك: إنسان مفرط في انسانيته، كتاب العقول الحرة، مطبعة أفريقيا الشرق، الدار البيضاء / المغرب، الطبعة الثانية 2010، ص27.
2- ديلون، جانيت: كتاب شكسبير والإنسان المستوحد، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد / العراق، الطبعة الأولى 1986، ص26.
3- الكواكبي، عبدالرحمن: كتاب علم اللغة بين القديم والحديث، مطبعة الجبلاوي، شبرا / مصر، الطبعة الثانية 1986، ص190.
4- شيبلي، تي: كتاب أثر الخيال العلمي، مطبعة الروضة، بيروت، الطبعة الثانية 1990، ص110.
أين الملاعب بالرواد نابضة
وعند ليل أبي نواس تزدحم
فلا شباك الهوى
يا دجلة ومضت
وكفّ صيادها من صبره برم
تنفس القلب أوتارا مجلجلة
في نبضها نزق بالصفو يختتم
أين الأمان عبر الصيف صاخبة
ونفحة السمك المسقوف تحتدم
أين الحدائق صوب النّهر هائمة
وصفحة الماء يجري فوقها "البلم"
أين التماثيل تحكي روح صبوتها
عن نجمة سقطت.. ولفها العتم
حدائق القلب في الأحلام ساهرةٌ

أهم ما يجذب الناقد في هذه القصيدة سلطنة الرموز ذات الدلالات العميقة الموحية لجلال الفارق التاريخي من منظور الواقع المتحول، أنْ يسلط الضِوء بما ينبغي من خلال الدعوة لتحرير الكيان البشري الذي هو دعوة لتحرير الفكر الإنساني، من محسوسات ذات رموز خاصة تحاكي المعاني المخصبة بالوعي العرفاني، الذي يميز الأبيات الشعرية اِنتقاء الأحداث المركبة بتأملات المتخيل الحزينة، خاصة في تناول الشاعرة لمزاوجة "نهر دجلة" ب "شارع أبي نواس" بماضيهما الزاخر بالهيبة وجلال الحال في زمن مضى ليس بالبعيد، وكأن المكان ليس هو المكان الذي كان يجمع العشاق والأصدقاء والعوائل والزوار من أمكنة مختلفة في حوله، لكن حاضر التردي وانحطاط النظام الاسلامي تزامن مع أواخر حياة الشاعرة قبل الرحيل إلى جوار ربها، ولهذا يصح لنا الكشف والبحث عن التأويل في الحاصل والاحتواء عن هذه الحقبة المرة التي عاصرتها الشاعرة، توالت بذات الألم من نظام دكتاتوري مستبد إلى نظام قاهر بجهله. نتابع ما تسرده لنا الشاعرة في قولها المتسائل عما يدور في وطنها من نزعات مشوشة وسيئة تأخذ بالنظام الحاكم إلى المكابدات الطائفية المقرونة بالتخلف وهي تعبر عم محنة العراق فتقول:
ما للشواطئ قد جفت نضارتها / وذي الحدائق حطّت عبرها النقم..
تستمر الشاعرة تلاقح المعنى ببعضه بحيوية مبهرة لتأكيد موقفها أن يوصل للقارئ بقولها:
ما كان.. كان فلا الأوتار صادحة / أين الضجيج الذي بالناس يتسمُ..
إذن فالحال كما تراه الزهاوي هو عين الواقع لأنها عايشت خطر الموقف السياسي الذي ذهب بالعراق وطنها الأم إلى الهاوية والفساد المنتشر، بدءاً من أبسط الدوائر الحكومية حتى السياسيين الكبار، "الدينوصورات" في قولها:
تنفّس القلب أوتاراً مجلجلة / في نبضها نزق بالصفو يختتم..
ولعل ما كثر من قصائدها المعبرة بموقفها المؤلم، ورأيها الصريح المُحكَمْ بموسوعتها الثقافية الدالة على نشأتها في أكناف عائلة عرفت بالثقافة والعلم، فهي تتوخى التغيير نحو الأفضل في متسع جوانب الحياة من بوابة القيمة العلمية والأدبية والاقتصادية. ولي أن أقول: أنَّ الشاعرة أخذت بعين الاعتبار التعقيد في المفهوم التقنيّ لدى نفسية الحاكم الجديد، بهذه الشخصيات التي تولت المناصب الحكومية على مستوى رئاسة الدولة، فوجئوا بالذهب والرفاهية غير المعروفة في حياتهم، فاختلف لديهم الاختبار والمعايير وهذا لم يتم على أساس قدرات الحاكم الفعلية الملازمة له منذ الصغر، لذا يمكن تخيل فداحة الموقف من الوجهة القانونية، التي أخذتها الشاعرة وهي تقيم وتصنف الحاكم الجديد كشخص بسيط عديم الذكاء تقدمه شاعريتها من منظور ولادة صبا تحليلها المتخيّل بالتحليل الشعري النقدي، لأنّ الخيال لا يكون ذا قيمة إذا لم يتصل بالمُحاسنة اللفظيّة، التي تمسّ جوهر التلقّي وتؤثّر في إدراكه، عبرَ مؤثّرات حسّيّة تُحَلق في المدار المحيط به، تفحص المكوّنات الحياتيّة التي تتحرّك حوله، وإذا لم يتحقّق ذلك يكون المفهوم التقني خالياً من معاشرة التحوّل الجمالي في الصورة المتحولة المفترض أن تلازم تتابع السياق بين اللغة والمُدرَكات التعبيريّة النوعيّة، حتى تستقر المعاني بوحدتها ومن حيث هذا التصور نقرأ:
وكفّ صيادها من صبره برم / تنفس القلب أوتارا مجلجلة / في نبضها نزق بالصفو يختتم..
وبهذا تكون الشاعرة قد تجاوزت الخلل الناتج عن ضيق التأمّلات الحاسة، ووحيها المرهف في تفاعلات قصيدتها الغريزيّة المنصبّة بواعثها المنبّهة من الجو المحيط للمشاعر التي تَدر جماليّة اللغة المَعنيّة بالمشترك النوعي المُفترَض أن يتفاعل ضمناً في خلق حوار يؤسّس لنصّ شعريّ له استقلاليته وتميَّزه، بعكس ما اختصَّ به جماعة التسفيط الكلاميّ، أي الحاصل الضعيف في طرائق أساليبهم التي شغلتها بنية الألفاظ الضعيفة والمكررة، فأضاعت معانيها فيها، ونحن نعرف أنّ اللفظة البليغة تفيض بمعنى خصب له دلالاته الجماليّة، فكلّ الألفاظ التي تعدّدت وحداتها الخلاّقة بالتذوّق والدربة، تؤدّي عفويّتها إلى وعي ناضج في الجملة التي لا جمود ولا خلل فيها، كما تقول الشاعرة وهي تحرض الخائف على النهوض أن تجعل شحن العزيمة قياما له، لأن من شأن القيام مادته تبرز صورة التحدي المثير في الصورة الظّرفِيَّة، وهي الحاصلة التي نجد فيها الزهاوي تحيي ذكريات نهر دجلة وشارع أبي نواس قولها المؤلم:
أين الحدائق صوب النّهر هائمة / وصفحة الماء يجري فوقها "البلم" / أين التماثيل تحكي روح صبوتها / عن نجمة سقطت.. ولفها العتم / حدائق القلب في الأحلام ساهرةٌ..
وهنا تصب الشاعرة حزن الأسئلة وما تعطيه من تاريخ مضى لا حل لها، وهي تعرف ذلك، ولكن مشاعرها الباكية على وطنها من ممارسات حاكم فاشل، تَذَيَّلَ صاغر للدولة الفارسية، التي لا تريد للعراق غير الدمار، وطاعة هؤلاء غير محظورة حيث لا خوف عليهم ما دامت الخزينة مهربه لأحضان أسيادهم، وفقاً للفرص التي تتكرم به تلك الدولة العدوة للذيول وسعيها أن تجعل فرقة فيما بينهم حتى يتسابقوا للخدمة والولاء، وما تبقى للعراق سوى ذكرى الأمس في قولها:
عن نجمة سقطت.. ولفها العتم / وحدائق القلب في الأحلام ساهرة..
والنجمة التي سقطت هي بغداد، يحيلنا هذا التنوير العلمي الفني إلى اِختيار نفسي لقياس الذكاء التصويري في البنية التي تتسم بثبوت الماهية، فهي لا تعرض بل تصيب في إيمائها حقيقة الواقع المُشاهَد.
ومن قصيدة قصيرة لها بعنوان:
فراشة..
آه لو أغدو فراشة
والمسافات جناحان تَشدّان الهوى..
في جسدي
يتعرى داخلي الكون
ينصب الورد في قلبي رحيقاً

من المستعار اللائق لشخصها أحبت أن تتمثل بالألوان والحبور الملائكي الذي يكسو جسد الفراشة، وقد حصلت على التمني الذي منحها تلازماً وجدانياً بين المتخيل والتمثيل الشفاف أن تكون فراشة، وكأنها تتصور أن يقوم بعضهما يجانس بعض في مقام الإشارة إلى، يتحدا بتمازج روحي تخالط عواطفهما وفعلهما، فالشاعرة تحلق بصورها الشعرية إلى قلوب الناس، والفراشة تدور بلهوها في المكان على الزهور والأغصان المترفة بزينتها، هو التودد إذن أن يدخل المُجَمل الذاتي بالمجانسة التصورية البيانية، كما لو أن الصورة الشعرية أخذت تتجه نحو الجنسانية العذبة في قولها:
في جسدي يتعرى داخلي الكون..
هذه الملقحة حققت للمعنى ما يستفز المَاهيَّة الاعتِبَاريَّة على أنها شبهت نفسها بالمطلق، وأنّ الكون يتعرى في داخلها، نتصور المجاز التحولي كيف حاور الصورة بشافيتها المحكمة برغبة الجلالة أنْ العري هو الحقيقة الصعبة في الوجود، وفي آن آخر يكون لذيذا، ذلك الذي تميل إليه رغبة الأنثى بشغف من أعماق نفسها نحو التماس الألفَة الغالبة على عاطفتها، ومن صورة مُحكَمة بتلاقح المعنى وفي الغاية ذاتها تجسيد لقبول تمنى العري في قولها: "ينصبُ الورد في قلبي رحيقاً".. تجانس الوضوح بالرغبة بين العري والفراشة مصب يتأمل دلالة البيان الذي عبرت عنه الشاعرة بالمجاز المركب، ونحو هذا أنها ترغب في اللهو واللعب والدَّعة، شاعرة تثمر صوّر شعرية يتحرك فيها المعنى كالصبا الشفيف، حيث يرتقي بحالاته النغميّة أقصاها نحو: إثارة المشاعر، وتخصيب الحسّ العاطفيّ المنظم والمختلط والخالص بتأثير تطورات القياس النفسي، حيث تكون الأنثى رهن له للحصول على رغباتها غير المحدودة حيث تتمنى في قولها:
والمسافات جناحان تَشدّان الهوى / في جسدي
هي تتحد في صورتها الشعرية "الفراشة" بمستوى الكفاءة الحاصلة في حريتها التي تمنحها للهوى برغبة جامحة منها، نحلله كالتالي:
1- ذكاءُ البراعة يُساوي ناتج حبور الصورة الشعرية الدالة على التمني.
2 مُنشّط التجلي يُعادل القيمة التصويرية بوازع المُتخَيَّل الجدلي المعادل للحداثة بكل أشكالها.
بتوجيه تلك المصبّات المحمولة إلى موضعها الحقيقيّ، يتمّ توصيل البديع الشعريّ للآخر، فنحن نرى في هذا البيت التأكيد اللفظي هو ما يُرجع من المشترك الحسي ببعض وجوهه لأنها أوَّلته لازم الشكل أن يكون مؤولاً، من حيث سبر أغوار الدلالة، لكي تُعبّر عن جوانبها بحرص لغويّ شديد الفاعليّة، فليس من شرط الصور التعبيريّة أن تتخلّى عن الأصوات، بل العكس، تأخذ بحساب الصوت ما يليق بانفعالاته من تنزيلٍ للحركة الحسّيّة حججها وجديدها إلى مرتبة أعلى في بيان المعاني المولَّدة لجوابات الشاعرية عندها الواضحة في: حسن السبك، وصحة محاسنه، وبدائع الهيام، وفصاحة اللفظ، وتدوير المناجاة بذات الوطن في القصيدة التالية..
آبار النقمة..
شذرٌ .. مذرٌ
شذرٌ .. مذرٌ
أنهار الحكمةِ قد نضبتْ
أشجار الفطنِة ارتعبتْ
فوق رصيف الدنيا تنتظر
يصطفُّ مع الأيام الخطر
يتوالى الشررُ
من عين الشمس ويعقبه إعصار
يبكي فيه المطر
يمحو ما خطّته الساحات
فلم يبق له أثرٌ
تغيمُ بعيني الصّورُ
تتساقط كل الأحجار
وذا حجرٌ يتبعه حجرٌ
يرتفع الصبر.. يلوح كأشرعة
فيه النذرُ

في ترتيل البوح ومناجاته ينبثق حزن أصيل من لوعة مواطنة على وطنها، حيث يقوم الشعر بوظيفته فيحسس الذاكرة بآلامها، وفي تلويح خاشع أجدني أمام جدل مجازي معنوي بيني وبين الشاعرة، على بساط الخيال وهو يحاكي الوجدان الرضواني، فقد تركت آمال الزهاوي أرثا غنيا تمثل بشعرها وثقافتها الأدبية الواسعة، رحلت الشاعرة إلى جوار ربها ولم التق بها، لكنني التقيت بجميع أعمالها الأدبية بعد بحث دام لثلاثةِ سنواتٍ، تمثل ذلك الجهد بالنجاح بعد حصولي على ثورتها الأدبية ومنها أعمال عديدة اختصت بطبيعة جَديِّدهَا النوعي فهي لم تفعل ذلك إلا استكفافاً تهجو به عمالة الحاكم وخلته والفساد والذيول بين الفترة من 2003 و2015 وما تتابع وكثر بعد رحيلها، فتلك الحقيقة الراسخة أخذت تشكل حالة نقدية صوتية، ومن أجل هذا يأتي تواصلي لأنجز الجزء الثاني من كتابي: " التباين في الشعر النسوي العربي المعاصر " وبعد أن حققتَ النجاح بالحصول على أغلب دواوينها، برزت شاعرية الزهاوي الغنية بمدرها الجمالي وشعرها يحيطني بالاستمرار على انجاز الجزء الثاني بالمتعة المعهودة، ومن خلال سجاياها الغنية بالصور الملحمية نوليها بالتحليل والتفسير وايضاح المعاني والغايات والهدف، وما تحتاج إلى استنباط واستخراج، في كل نص نجانسه من حيث انجازها المُحدث الذي يحاكي صورتها الفنية ويتحد مع عبقرية الكناية النادرة التي رشَحتُ لها الزهاوي أن تحتل الفصل الأول، التي شملت بعض أعمالها واسميها بالداهية، نقرأ قولها:
شذرٌ .. مذرٌ / شذرٌ .. مذرٌ / أنهار الحكمةِ قد نضبتْ / أشجار الفطنِة ارتعبتْ / فوق رصيف الدنياتظر ".
جعلت الشاعرة الزهاوي من بنية قصيدتها تحاكي المستعار المتوازي، والمعاني المولدة، ولو أني لا أجد بمن اقرنها به لأنها استقلت بوحدانية تميزت بخصوصيتها التي نحت نحو هذا المذهب لكثرة محاسنه وبدائعه، فالاستعارة للمثل القائل: " شذر.. مذر" مكررا، بمعنى تركيب يفيد فرق الوصف الذي هو ظهور شؤون الذات الأحدية، ولي أن أبين في استقدام هذا المثل هو أن الشاعرة أرادت أن تشير إلى الفوضى التي تعم العراق بالفساد وسرقة أموال الشعب وجرائم القتل المجاني، مع أنها لم تبوب شذر.. مذر: على اعتباره كلاماً ليس لها وهذا العمل يعد أحد العيوب في البنية العامة التي يقع في قرارها بعض الشعراء / الشاعرات، ولكن التمثل به أكمل البدء في معنى القصيدة الذي اعترض عليه البنيويون، لكن الشاعرة أولتها الحكمة وجعلتها استعارة للتشبيه، خاصة في مزاوجة الصورة التالية: "أنهار الحكمة قد نضبت"، أليس التكحيل بالمجاز المركب يضيف جمالية إلى طبيعة معاني النص التأملي، وهو يحاكي المجمل الفكري وبيانه بدءا من الظاهر إلى المعلوم، نجد أنها شخصت العفن السياسي الذي يمر به العراق، إذن فالزهاوي تحاكي في هذه الصورة الخامة النبيلة الوطنية بإيعازها أنَّ الفطنة وضعتها أمام مسؤولياتها لمواجهة النظام الذي وصل للعراق على دبابة أمريكية كما هو معلوم.
في هذا الخصوص يدلّنا الآمديّ وهو يعالج نصًّا شعريًّا في كتابه: الموازنة: "وإنّما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهَوْا، ولا يتعدّى إلى غيره، فإنّ اللغة لا يُقاس عليها. ولا يحتسب، وقصد الآمدي في هذا المعنى الحريص على اللغة وثباتها، هو أن يكون الشاعر / الشاعرة يلتزم كل منهما بفصاحة اللفظة وبلاغة مقارباتها، وتناسُبها وبواعثها الرصينة، من ينبوعٍ صاف، حتى تستقيم في مسارها الأحسن والأليَق، فتكون اللفظة حينئذ محصنة من الغث ومتممة لقنوات أفكارها المجملة والمجانسة.
نجد الشاعرة قد اشتغلت على طراز هذا المفهوم بجدارة، فنوّعت نصوصها إلى ملامح تسمح بتحريك المصبّات الحداثويّة مِن دواخل بنية النص، وليس على الأطراف منه، فجعلت نظمها يتحلّى بالمسؤوليّة الراشدة، وكوْن نصّ الشاعرة الزهاوي أأخضعته وألبسته الثوب الممنوع من اللمس، بدلالة التحكّم والقسر غير القابل للانحراف والتشويه، أو تسليط ضوء الآخر عليه، بعد أن أجادت ببلوغه إلى المستوى المركب، خاصّة ببقائِها المُحكَم بدائرتها الخاصّة.
ضمّنت أعمالها الشعريّة دواوين: ومنها الديوان الذي نحن بصدد تناوله بالتحليل والنقد المضمر بالعدل إما تحقيقاً أو تحريراً، وقد تنوّعت هذه الأعمال بين مفهوم التأثّر، ومبتكر الوجد العضويّ في أعمال تنوّعت بين التخارج المقنّن، وبين مصاحبة مقدار إنتاج الوعي الفنيّ، خاصّة في تخصيص استثناء السلوك الاجتماعيّ المصاب بالتخلف المتوارث، لنقل هو التمرد الواضح في حقل قصائد هذه المجموعة الشعريّة: فما نتناوله نودّ منه أن يروم رضى وفضول القارئ العربي لشاعرة بقيت تطرح الشعرية المُحَوَّلة على آفاق صب يطرق بوابة الإنشاد بالإحسان فتقرظه وتبسط معانيه.
1 بشر الآمدي، لأبي القاسم الحسن: كتاب الموازنة، دار المعارف، كورنيش النيل/ القاهرة، الطبعة الرابعة1992، ص345.

نقوم بقراءة النص ونربط من لدن سياق علمها الشعريّ، على تفاصيل ومقاطعات تأمّل الإلهام المعمول بخيوط تحكم جزالة نظمها، فقد علا شعرها وتوسّط، لكن لا فاسد فيه، ففي كلّ قصيدة أجدها تجدني فيها قارئًا مولعًا بما تبوح به شهوة قلمها المحكم بفيض أسلوبها المجدد في شاعرية التفعيلة ذات الجوابات المنقوعة ببراعة المتخيّل، من حيث جوانيّة إحساس عالي الوتر ينمي قصيدتها بقولها:
وذا حجرٌ يتبعه حجرٌ / يرتفع الصبر / يلوح كأشرعة / فيه النذرُ..
شعر يلازم القارئ من واقع قوة جودته وسريان قبوله الذي يكشف عن وضوح أنا الوطن، ولا يغمض عين عن المواطن، نلتمسه يستقي بذرته من الواقع العراقي الحزين صورة النظام الاسلامي الفاشل، حتى أخذت الصورة الحسية تبسط تعبيرات هتاف المشاعر من الخزين النفسي المكرّس بأسلوبيّة الرفض المباشر لما يجري بإذلال العراق بيد الجهلة، وبعد فحصنا المُضني في محتوى هذه الموهبة المُعبّرة عن سموّ عاشقة المجاز، كما لو جعلت من الشعر مرآة عاكسة فأصبح شعرها شبيهها، تُجسّد صور كلّ تفاعلات لغتها المتخيلة المجرّدة من العلل والضعف، لكنّها وفي الوقت ذاته، تحرص على ألا يكون هناك تناقض بين المتعة في الكتابة عن مشابهة المرجئة الملائمة للمرادف بين اللغة والمحاكاة المرادفة للمعاني، وبين ما يحيط بالشاعرة من أجواء تختلف عن أسلوبيّة حياتها في البنى المجتمعيّة الثابتة، سواء أكانت تلك البُنى ثقافيّة أو سياسيّة أو اجتماعية.
تمتّعت الزهاوي بأسلوب نمطيّ شخصيّ، يُحاكي ولع شفافيّةٍ مثيرة للحنوّة، لا تستخدم الأنويّة التقليديّة، إنما تنحو إلى الطرف الثاني منها، تجدها تخاطب شخصَها بعناوين هي:
تزدحم العبر / وتدلّى من نافذة الأحلام لنا قمر. وتستمر تطرق نافذة الذات بتشغيل أدواتها المُحكَمة حيث تقول: ففاض اللغو بنا / كي لا يأتيني ترتيب الأنباء، وتقول في صورة ندرت بلاغتها: وتجزأت الأرض مراراً وانتشرت.
نتصورها تجانس المُحَصَن اللفظي يعامق الإحساس المُعبّر غير المباشر عن تحييد هتاف الأنويّة، فتمسك برأس الخيط الفاصل بين التلميح إلى خطاب الذات، وبين الإشارة إلى بلاغة النص، فتارة تُعبّر عن حوار من منظورها الكيانيّ الحسّيّ، لإطلاق ملامسات حريصة وذكيّة تُثار كحوار مع هتاف الأنا الرمز، وتارة أخرى نجد نداءَها الأخلاقي جوهره المُعاينة الصحّيّة في مختلفات الأجناس بتوليفات متحدة، كاستخدام الشخصيّة المتفرّدة بتقاطعاتها المختلفة، والتداخل في مزايا الصيَغ المتقاربة من سلطنتها المعبرة عن خصوصيتها، فنقرأها تُعاين مشارق إيمائيّة، تبسط من خلالها وعيَّها المنظور من واقع الدائرة المحيطة بها، وتارة أخرى تستجوب فيض بلاغتها التي تسكن عالمَها المتفرّد بترتيبية بالغةِ الدقة والتحصين، وهذا ما نسمّيه بالمهارة النموذجية، وهكذا فهي دائمة التلميح في صيغة خطاب "هي" المختلفة في أحايينها الكثيرة بماهية تُعايَن في قصائدها الاعتراضية، والنحو بها إلى النفسية الحسيَّة المقدّسة في شيعٍ أخرى.
دعونا نتلمّس ما يُطلقه سجى الموزون الساكن بين "أنا: المفرد. والجمع نحن " نقول " وبين الجمع المخاطب " لكم "، وهو نتاج وحصاد ما ينسج في تدوير الرموز المولدة للمقاصد الدالةِ على عينية قصيدتها:
مناقير..
ماذا نقول لكم
يمدُّ طائركم في أرضنا شجنا
ألقى علينا وبالاً
صار ممتحنا
والليل صار سنا
وهبَّ محتقنا
أبدت لنا دمعة الأحلام نابضة
الظل والوسنا
وزقزقت حولنا كل القلوب التي ستحمل الكفن
وحومّت حولنا كل الغيوم
التي تستعذب المَزنا
لله مرجعها
تبكي بحرقتها.. كي توقد الوطن
يستدرجون به وجدانهم ها هنا
تسعى جميعا لمد البرق أعيننا
تصير في واحد معلوم
أنت أنا
توقّدتْ دفقة الماسات في قلبه
وحوّمت عندها الأحلام والتمعتْ
كما بحر هفا يستقبل السفن
أو صار كالبيت مفتوحاً لها سكنا
لكنّها عكسه تدير فعلتها
ألقت علينا جموح النار وألفتن
أعطت له ما لنا سراً وما معنا
فاختلطت بيننا واستنفرت محنا
يا لوعة رفرفت
تلقي لنا المفتاح في يدنا

تتواصل الشاعرة الزهاوي بالشكوى الاعتراضية، وكأنها تتساءل: أهذا هو تمدن الحضارة الأوروبية وأمريكا معاً؟ وما هو المبرر وسبب هذه العدوانية وسخطها الإرهابي على العراق وشعبه، وطائراتهم ترمي الحمم المدمرة لتزرع سماء بغداد بشتى أنواع صواريخ الموت، في قول الشاعرة الواقعي: "ألقى علينا وبالاً" أليس العراق أول من أكتشف الأبجدية الأولى على الأرض، ولحمورابي الفضل في ابتداعها وسنها ونشرها، أليس العراق من علمكم أصول الحضارة والتمدن؟ وفي هذا قولها: " والليل صار سنا " تلك الأضواء القاتلة والحاقدة تختصر الزمن لتصل إلى المكان المخصص لها فتنزل على الأرضِ المُلامةِ لومها الكاذب، إنه الحقد المحدد إذن أو الوهب المحتقن على دول النفط واللغة، لكن الشعر العراقي بالجمع ترتبط عفويته بالتصدي، لشوائب الحاكم العميل للصف العسكري الأوروبي وعلى رأس هؤلاء أميركا، لكن صفات الشاعرة الزهاوي في ذاتها الشعرية المجسدة بذاتها الخاصة شاركت في العديد من المعارك الوطنية المشرفة من خلال قصيدتها، كونها المثقفة التي تحكم النظر في كلمتها وصورتها المبنية من الرؤيا الميطة بها، بما تحققه مفاهيم الصورة الشعرية عندها، وهي تجسد بذهنيها النفسية وبصورتها الشعورية التي تحاكم الظالم بأخطائه، قولها: " وزقزقت حولنا كل القلوب التي ستحمل الكفن / وحومّت حولنا كل الغيوم / التي تستعذب المَزنا / لله مرجعها "
والدليل هنا مَفْعَلٌ بمعنى فاعل من جاز به، وهو المشار إليه بالعطف لأن المجاز هنا مرتجلا، يؤكد ما سوف يكون ممن اشارت لهم ب"القلوب" بعد زمن، وفي صورة تلاقح ما قبلها بالمعنى "حومت حولنا كل الغيوم" مع أن الغيم أو بقولها الغيوم تكون باعثاً للخير لأنها تحمل في جوفها الماء تلك النعمة الإلهية، ولكن الشاعرة جرت بالمعنى على جهة شبهت صورتها الشعرية بالظلام أي لون الغيوم السوداء، وبتقديري ليس كل شيء يُشَبَّه بحالة تحتمل أكثر من معنى صحيح ، فلو قالت حومت حولنا الظلمة يكون المشتكى أوسع أثرا لأن سواد الظُلمة يعتم على البشرية، ومع هذا تبقى شخصية الشاعرة الزهاوي تستحق التحليل والمناقشة والتقييم من خلال مكانتها كشاعرة تبوأت المقعد الثاني بعد نازك الملائكة عربياً، وبهذا فهي تكتسب المُعَرَّف بالتراث تصوره بنكهة من منظور امتياز الحكمة التي تجسد عن كل ما عداه في شعرها وثقافتها الخاصة.
نقرأ الشاعرة من دواخل إحساساتها، نتذوّق خميرتها المنقوعة بحرارة تجلّيات خيالها الوارف، في اهتداءات عَمَدَتْ شاعريّتها إلى إيمان يختلف عن الهوى العامّ، تصوغ خطوطًا لملامحٍ بان لمحها البصريّ المعبر عن الإِرشاد الصوفي اللامتناهي وهي تضع "المفتاح " بيد شعبها المخلص في قولها: " يا لوعة رفرفت / تلقي لنا المفتاح في يدنا "، فإذا أمعنّا النظر جيدا في هذا التوظيف وبخبثٍ شديد، نتبيّن الهتاف في منطق العقل واضحًا، تُقدّمه الصيَغ الذكيةّ الحريصة بوعيها المُحَذر من السقوط الكلي والمفتاح بيدنا، فلو قارنا تيمة المفتاح بالمعنى لوجدناه يشرق على معان عديدة ومنها الشروق لفجر جديد، والحرية، والخلاص من المحتل أياً كان حتى وإن كان منا لأنه يغتصب النفوس ويصادر حق الفرد من طينته، ليبقى هو يتحكم بالمصائر والحريات، وكأنّ قدرة الشاعرة الثقافيّة والإنسانيّة، تَحسبُ مقدارَ سلبيّة أثر الظلمة حين تأتي بلا مطر، مع أنها وضعت أملا للحل النحوي تواجهنا بتخفيف الضغط على المعنى بحلول ذكي في قولها: "تستعذب المزنا " والمزن هو: مزن يمزن السحاب الذي يحمل المطر، ويقال في معناه "هذا يوم مزن" قال أبو منصور:
"التّمَزنُ من مزن في الأرض إذا ذهب فيها،"
ففي قصيدتها مكثرة الاقتراب بحواسها من القارئ تجاوزت براعة الهتاف المباشر عند البعض، الذي لا يخلو من الغموض والإيهام، بجدل يولد اعتراضه الواضح في تقنيتها الشعرية المركزة على الرفض للمحتل أيا كان جنسه، بكون فاعلية المنظومة العقلية تؤخذ بالإحساس الشخصي، الواضح بأهدافه المبصّرة في صورتها المتسمة بسمات الحواس الداخلية في قرار شاعريتها الملقنة بالمجاز المركب، الذي يدلّ على تصرّف الوعي المُنتِج للمحصلة المُنقّحة ذاتيًّا، حتى يستقر دليل المعنى نشِطًا على ضفّتي الخيال والواقع بذات الحال، ففي هذه القصيدة نقرأ تنقلات الشاعرة الفنية مِن هي الساكنة في قشرة الحياة إلى الأنا المتحدية، في مرحلة تجاوزت قوة العملاء وهي تكشف عن المطابقة بين المحتل وذيله، وذلك من رافد هواها السياسي في النص المتفاعلُ بالدلالة المركبة إلى مُحصّناتٍ تتصرف في الصورة المحسوسة التي تَبسُط المعنى أكمله، لكنها وفي الوقت ذاته نجدها تُفَعِّل اتصال الأعضاء الفنّيّة واللغويّة ببعضها البعض، حيث مقارنة المُتَوَازي من فعل مضمار صبوة الشاعرة وجديتها، بمعنى المجاهدة والسجي العفوية المكتسبة من توجه السلوك توجهاً تلقائياً، إنّما هي حصيلة لمجموع الاستعدادات الفطرية، وذكاء هذه المواصفات المعبرة عن فاعلية الجرأة، تصاحب مَثار العلن الاجتماعي غير المحدود في الخاص المتمثل بمقدار نسبة شجاعتها.
ففي سؤالها: " ماذا نقول لكم " أشارت به إلى محنة التشنّج الحاصل بما تعاطى به الحوار الداخليّ بين أبناء تشرين والدكتاتور الناهب لأموال الشعب، باعتبار أنّ الصورة مدورة من تفعيل رؤية عميقة تسند المعنى بالبعد الإنساني بمسلة الوالي، وفي الوقت ذاته من الناحية الفنية يكون مفهوم "أنتِ أنا" رَتّبَ الصورة الرمزية الكنائية محمولة على الإذن بإتيان الفعل كيف شاء الفاعل الذي يحتمل أموراً متعددة، فالشعر أفضله أبلغه خاصة إذا كان منبعثاً يوزن الإجمال له ظاهراً، ويرى الحق باطلاً، وفي ذلك ما قاله البحتري: "والشعر لمحٌ تكفي إشَارَتُهُ/ وَلَيْسَ بالهَذْر طُوّلَتْ خُطَبُهْ"
نقرأ في هذ البيت الشعريّ التعليميّ، الجناس، كيف أصاب براعة المعنى، وطلاوة مجرى التلميح في صفاته التي تخرج عن الاحتراس، في بلوغ الغاية الفنية مصبّها الجماليّ، فقد أوجد لنا مخرجًا طيّعًا، وذلك بانسجام اللغة مع إدراك الغرض والتوجيه، فالإحالة الفنّيّة التي لا تبلغ الهذر الزائد، تستحسن القول لنفسها، فيكون النظم وافرا ومُبشّرًا بالثقة بالنفس، نقرأ في هذا الصعود الرومانسيّ الخالي من التكلف قولها:
" هبّ الصراع بنا / حتى بدا علناً / تُبدي النهارات أحلاماً بها صخبت / في غير موضعها..."
وهذا ما تصنعه البلاغة، وكأنّه حالة الزهو القائمة تطوف كالوحي حولها، حين كانت هي في الفقرة السابقة كانت مبنيّةٌ على الشكوى، أمّا في الثانية مبنيّة على دعوى بمعناه هب الصراع بنا حتى بدى علناً، التحدي الذي لا رجوع يُرَدُّ مجرى سريان تيمم المشاعر الوطنية حتى تُبدي أحلاماً بها صخب، لأنّ التصرف الذاتي أصبح في أَشدّه، والطبائع مختلفة لا تريد أن تكون كالأخريات، والشاعرة بلوحتها الحسية تتبنى الحقائق التي أصبحت ظاهرة في المناخ السياسي ترى وتسمع وقصيدتها تتنهد الرفض والتصريح بحقيقة الأمر، فالمُخاطِب والمُخاطَبْ إليه هي الذات المعترضة، بعد علنية المقاومة التثقيفية التي أصبحت مبشراً للحرية بتوظيفها الذكيّ ذات الدلالة المُنشّطة، حتى تكون معالجة الأخطاء في تصاعد عفوي، لكيلا يؤولُ الثائر إلى تهمة، وتبقى المشاعر مُتّقدة، وألا يكون الضوء ينكسر ويأفل، وينتهي به الأمر رمادًا ينام في موقد بارد.
نشير إلى أنّ الشاعرة الزهاوي أحسنت اهتداءات الشعر، حيث يتواصل المعيار المتساوي للمعنى المتوافق مع اتّجاهات النصّ من فيه، إلى حيث تكون الصورة السابقة غير زائدة عمّا سبقتها من شاعريّة تتدفّق من جوّانيّة المعنى بسياق متحد، إذن فالجملة الشعريّة أجازت تواصلها بعد أن أشارت الشاعرة إلى المباشرة في عصاب المخاطب، وهذا يدفعها أكثر فأكثر لمماثلة تَصيير أنوثتها كنقيع الريحان في الماء يزداد خصوبة، فالمعنى هنا كما ترى ظاهرُهُ تُقاربه في صيحاتها الأخلاقية، إلى بلوغ الغاية حتى الانتصار، ونحن نتلمّس هذا في توظيف المعنى من سياق اختصار الجملة الشعريّة، وفي بُعده تؤتي الشاعرة بقياسات الجناس، والجناس باب من أبواب البديع كما أشار إليه الآمدي، إذ نجدها أحاطت في البُعد والقرب، في الأعلى والأسفل ذاتيّتها، تارة تروم بمشاعرها إلى كيان موسيقيّ تتصاعد ألحانه بإحساساتها حتى تشدوها، خاصّة وأنّ الشاعرة تتصاهر فنّيًّا بين الشعر والعزف على الألفاظ الثورية، بينما نجدها في ألق آخر تذود موجَعة من أثر الحاصل في وطنها، لكنّها لا تبلغ الهزيمة، وباتجاه مغاير تمتدّ مثل القصب بعود شاعريّتها الرشيق من حنايا ثقتها بنفسها، وتارة ثالثة نجدها ملتئمة حول نفسها كفراشة تحوم بالحب.

طريق":
أميل عليكم خذوني
أشير إليكم خرجت
أنا بنت هذي العواصف
تستقطب الصورة الخالدة
ففيها ولدت وفيها نموت وفيها كبرت
ودرت بمنتصفي بذرة واحدة
وفيها بعدت عن الجرف حتى استدرت
أشير إليكم خرجت
أنا أخرج الآن من جسدي
فهل تدركون الذي خرج الأمس من جسد الماء
لؤلؤة من محار
نقيا كبلورة في المساء
أبيا وحيدا
فلا الأرض فيه استطالت
ولا هو فيها استطال
وذاك السعير الذي يربط القلب بالقلب
ظل دليلي
توثبت فيه.. وناضلت فيه
فهزوه هزوه حتى التذكر
كي يتقد الجمر بالحب
ويشتعل الدم في الوطن العربي
على الدرب كنا يدين
تهبان من جسد واحد
وفي الأفق كنا جناحين
إنما في طائر واحد

التجريدُ البلاغي عند الزهاوي هو أن تُسَلمْ قصيدتها إلى منسوب ماهية التصحيف الأظهر من حيث ثبوت امتياز يشاطر هويتها بحال الموصوف بصفاتها بقولها:
أميل عليكم خذوني / أشير إليكم خرجت / أنا بنت هذي العواصف / تستقطب الصورة الخالدة / ففيها ولدت وفيها نموت وفيها كبرت
إذن فذكاء التجنيس تخصيص في " أميل، أشير، أنا، ولدت، نموت، كبرت " أرادت الشاعرة أن توصف الذات "أنا" بالمخصب الصفاتي العام وليس المفرد المحصور بأنا وحسب بل هو إثبات يرمز إلى الإنسانية، بمواجهة معترضة تطابق الموقف المتقن مأمون الانتقاض وتشرين الأول صورة تعبر عن الرفض، وتلك علاقة الإنسان بالأرض التي هي الوطن، خاصة وأن الشاعرة تحرص على مصاحبة المعاني للمتأول حتى وإن كانت الأنوية مصدرا للتأويل، باعتبار أنَّ تجنيس الوصل في النص المُؤوّل بقضاء الكلام الذي تقايل به الشاعرة العموم المفترض أن يكون صاحب الحكمة والحل والرضى، أما في قولها: " ففيها ولدت، وفيها نموت، وفيها كبرت " لكل مخلوق بداية وهي الولادة، وعند النحويين سميت بالابتِدَاء، والشاعرة منحت هذا التجانس مفهوم المطلق الذي يجيز التّخصيص "أنا" أن يكون مفتوحا بالدليل المقترن، بكون الشرط والغاية والصفة توسمت ببعظها، لأن الإسناد اللفظي عامل يوحد التشابه أو يفرقه، وبهذا يكون المعنى أجاز قبول التعدد حسب الزمن العمري للإنسان، قد يتساءل القارئ: لماذا حللت النص سلبا من الناحية النحوية، وقبلته من حيث وازع التصريف اللغوي، أجيب بهذا: لعمري أن الشاعرة الزهاوي لها أوجه نحوية ذكية تلاقح فصاحة اللغة وتطيَّب مداخلها ومخارجها، حتى تكون اللفظة مؤكدة للأخرى لإتمام الخبر، بقولها:
" أنا أخرج الآن من جسدي / فهل تدركون الذي خرج الأمس من جسد الماء "
فعهدها طلب لكنها لم تر النهوض
خاصة في قولها المحكم بالمجاز: "ودرتُ بمنتصفي بذرة واحدة " وقولها من حيث امتيازه:
" كي يتقد الجمر بالحب / ويشتعل الدم في الوطن العربي / على الدرب كنا يدين / تهبان من جسد واحد / وفي الأفق كنا جناحين / في طائر واحد "
وهنا تشير إلى حمل اللوازم ما جاوز وتعدَّى الأحكام المعللة بتحرز المعنى اللازم، والدليل يستنبط من اللفظ دلالات إيراد الكلام على وجه يحتمل غايات متعددة ومنها ما قالته: "جسد الماء"، وعلى هذا ينعكس قولها من الخيال إلى الحس النوعي الذي أشارت به إلى الذكر المقدس "الماء" الذي بقي على أصل خِلقته الطاهر لم تغيره صعوبات الزمن.

قصيدة:
بري العيون دليلي ذكرت أن طريقي مقارعة الصمت بالصوت
والموت بالبعث
ورسم نجوم الثريا على الدرب
أنا هاجسي النور في الظلمات
تذكرت لم تستكن الريح بجسمي
ولم أستكن بها
طريقي التوثب بنت هذي العواصف أدمنت كل
العذابات
أم أنها أدمنتني
وتشرين ينصب شوكته في العيون
وفي الليل عند السهاد أسى
وضربة عنف
فلا تسألوني
لأنا بصفين نمضي إلى مصدر النار
كلانا يسير إلى الوهج مثل الفراش
وفي الوهج كنا نموت
احترقت
احترقنا جناحين في جسد واحد
فإن الذي كان.. تاريخنا
وإن الذي كان تاريخه أمل البائسين
يشد المحيطين للنهر
لا تسألوني
فلا الماء كان بلا ذرتين
ولا النهر يسعى بلا ضفتين
أميل استقامت حصاة الطريق

فهل أسكن الآن في جسدي؟. تلقّفت الشاعرة الزهاوي مبدأ التضاد في الأسباب التي أوجبت التفضيل بأن طريقها يقارع الوحدة المبنية بقرار الصوت الإشاري في الصورة الحاكية، وهذا الطباق قل عند بقية الشاعرات والشعراء من جيلها، لكنه كان واضحا عند شعراء الدولة الأموية، والعباسية، وفي المعاصرة عند الجواهري والرصافي وعبدالرزاق عبد الواحد، وغير ذلك مما أوضحته في مواضعه وبينته سابقاً، وما سيعود شرحه في قانون الموازنة بينها وبين المقصود بالإصلاح، لكنهم يجبرهم الصمت الذي أشارت له الشاعرة، أي بمعنى ألا تغمض عينيْكَ عن طلب المراد. وهي مناشدة بليغة الطلب دون الرجاء، وما بلغت إليه في هذا المنحى النحوي مما أجاز لها أن تجعل من الجِناس يؤدّي إلى حوارِ لامع اختلفت سياقاتُه، وتعدّدت مراميه، بحساب المحور الذي يدور حوله المَبْغَى " الصمت " باعتباره أحد أهم مصبّات يقودها الصوت وتقتضيه الحجة، فإني أوضح غرضها ومبتغاها إلى ما تطالب به من الإظهار إلى الاحتجاج وما ينتهي إلى التخليص.
إذن مَن يُغطي لمَن؟ هل الحاكم لحزبه؟ أم الأحزاب الإسلامية العميلة لأسيادها؟ وإذا كان العكس أليس الأصح أن نفضل أَهل الحذاقة والشجعان من شباب الوطن كما حدث في تشرين أن يستلموا زمام المصير الذي كاد أن يمحى؟ وهذا نعاينه في صورة: " أنا هاجس النور في الظلمات ". المُحرّك الدلاليّ في نواة قيام المعنى على مدار دورته الاستثنائيّة الباحثة عن تلاقح الغاية بالمعنى، لماذا؟ لأنّها عملت على تفعيل الرغبةِ التي أوحت لها بتحرير الوجود الوطني من الغزاة والعملاء، وهذا نُسمّيه فلسفة الائتلاف الشعبي، الذي يرومُ تفاعلَ معنى التحرر من المحتل وقولها: " وتشرين ينصب شوكته في العيون" هو التنبؤ بتشرين بعد موتها بأربع سنوات، هكذا يسرح المتخيل النوعي إلى ما سوف يحدث في تشرين الأول كوْن مؤدّيات الحلم تحقق كما عبّرت عنه الزهاوي ترابط فاعليّة التمني، باعتبار الأنوثة لا تعني الخضوع دائما، هي رجيع الامتثال لطاعة الذكر لغاياته الخاصة، لكن عندما يتمُّ استحضارُ الوطن يكون مقامه قبل كل شيء لأنه يحتضنها بالإحساس والاطمئنان العام، ثمّ بعد ذلك أخذت تتّصل اتصالاً معنوّيًّا، بمفهوم واضح التجلّي، سواء جاء هذا الاتصال مِن تعال يا أرثي التاريخي، أو من العذاب الكامن في الروح المستغيثة بنداء " أدمنتني"، أو حتى من تصويب سريان الصورة في المحور: احترقنا جناحين في جسد واحد. يوم تؤذن ساعة الفجر قدسيّتَها على مفارق التغيير، إذن كلّ هذه الأحاسيس مقرونةٌ أفعالها في ثوران يوم الثورة لعلّ الشعب يستجيب، بكونه أصبح هو النبض الفاعل الذي ينبثق منه التوليد المنحاز إلى التحرر، ليدورَ الفعلُ كما ترتضيه الإنسانية.
وإن الذي كان تاريخه أمل البائسين ، الواو من أحرف الجوف دخلت على رحاب إنَّ، أي المكان الرحب الواسع، فجانست الإشارة الدالّة على معنى " كان تاريخه "، لأنّ ما بعد " أدمنتني " يأتي " تاريخه " بإعادة توليد المجانسة، المقتربة من الإحاطة بالحذر، فيكون البناء الأصحّ في هذه الصورة مموّلاً بكثافته الفنيّة على الشكل التالي: لأنا بصفين نمضي إلى مصدر النار، وما تبقّى يكون استقراره بالحجة في موضع البُنية في الجملتيْن، لأنّنا نريد من اللفظة أن تلاقح الصورة إيقاعًا ببنيةً ومعنى، بدون كسرٍ وخلل في انسياب مبتدأ المبنى اللازم، ولأنّ الصورة الشعريّة حسّيّة، وجب على المعنى أن يكون متصرفاً في الصور والمعاني بالتركيب والتفصيل، كما رأته الشاعرة أن يكون على النحو التالي: ولا النهر يسعى بلا ضفتين. ملتقى النسق نجده يخاطب التاريخ المباشر المعني بالحال المقترن والحس المشترك، وهنا يورد المعنى وضوحاً، عما أرادته الشاعرة أن تحاكي الواقع الذي جاء به الحاكم العراقي بعد غياب محطم في المنفى، وتبقى الصورة الأدقّ، تعتذر عن حال كان يحمله الماضي المعيون في التصرفات المذلة للحاكم، وهو أن يستمرّ الظلم على ذات التوليف خوفًا من الاحتراز، فتقوم الجملتيْن متخذة من النَفَسْ الإيقاعيّ رشاقة النَّبْض، بتكثيف أغنى وأرقى على هذه الشاكلة بقولها: فهل أسكن الآن في جسدي.
قصيدة:
"أصفار الشمال"
ونحن أصفار الشمال هاهنا
لم نطلق العقل إلى آخره
بما تودّ الذاكرة
وما تنص الدائرة
ما رأى أوله اوّلها
تقول هذه الرؤى
كيف التصور استوى
وهي التي قد أطلقت ما عندها
لأفة ٍ لا ينتهي سؤالها
حتى وان قلنا لها لا تقربي
ماذا يساوي في الزوايا.. عندنا
تحطّمت في ليلة العنف
كوى أحلامنا.

عنوان القصيدة المختارة لمناقشتها وحل أبعادها المعلّلة بالاتجاه المحكم بالصفات الروحانية، والمقصود الذي طرحته القصيدة يتعليق على ما هو أولى بالحقيقة من رؤية وطبيعة ماهيتها النفسانية، فالوقوف مع الأدب السياسي الظاهر من واقع حوار المكاشفة جاء مقوماً لتفسير الرقم " صفر " خاصة وأن الشاعرة جمعت الصفر أصفار إلى نحن، إنما قصدت التضمين بين حالتين، والتفسير الذي أود أن أناقشه مع علم المتكلم، غرضي وارد من حيث مفهوم الفعل الاصطلاحي ومكانته، والشاعرة هنا تشير إلى تثبيت الفراسة التي تعني النظر في الحكمة، وفي حال آخر تورد لمفاهيمها مكاشفة اليقين الصارم على أرض الواقع، وفق السياق الفكري الدال على موازنة الأحكام المكتسبة من أدلتها التفصيلية إلى إحكام التضمين الصوتي في شاعريتها، وهذا يعني الوقوف على الشمول الفني في التنويع لمجمل قصائدها، وتلك التفاصيل تتكون من الطباق والتكافؤ في التضاد الذي يجمع بين مختلفين مع مراعاة التقابل، وتحديد مواقفها بالشكل المدرك للواقع الظاهر في توجهات الحاكم المذلة للوطن والمواطن.
أمّا الفيض المحكم في صارف العنوان أو الابتداء ما هو إلاَّ توليف ينسجه الفكر حسب قدرة الشاعرة المحصن بالواقع الذاتي القائم بحلتها الثقافية الكلية، ففي الأقوال الدارجة بوارد الأمثال قولهم: "صفر على الشمال" وهذا يعني كلام أو فعل غير ثابت أو غير صحيح، أو ليس له رباط لحقيقة الأمر وهذا ما يعالجه العنوان، الذي ينسب إثبات اختيار وحدة المعنى ومخرجه في مفهوم التعدية، الذي يُحَمْلُ الإبانة والظهور الفصيح الوارد في نصوص شعر التفعيلة وأجوائها اللحنية الخاصة، ومثل هكذا عناوين نجدها تعني ذكاء الفطرة المتهيئة، وفطنة التقدير في الصدق واتحاد المفاهيم، والدليل يشير إلى تضمين ترادف التضاد المؤسس للتعليل في قدرتها على توصيل ما تريده من توجيه وإيضاح للقارئ، أن يستقي من إشاراتها الوعي والمعرفة. وإذا اعتبرنا العنوان مليكة الفعل العلاجي للهيئة العارضة المعنونة على حالة الإنسان العراقي من ظلم وفقر وتحطيم، ففي المقابل نجد الحاكم يكون صارماً بحكمه ضد أبناء شعبه، وهو القاطع المر الذي مازال قاطعاً يبقي العراقي مقترناً بفعل الظلامية القاسية، والسؤال متى نزيل الأصفار من الشمال؟
إذا اعتمدنا التكثيف لغة وفنًّا، نقول أنَّ العكس يصبّ في صفحة الوضوح والتقريب من غرض الشاعرة، والصحيح أن القصيدة الحرة محكمة الوزن والصرف الممكن، خاصة وأنها لا تقبل الإسهاب أو مدّ الجملة الشعرية بدون غرض، لكن الأفضل في الشعر بعامّة جناسه أن تكون الجملة قرينة لما بعدها وقبلها في اللغة والمعنى، حتى لا تكون أغاليط غليظة في سياق البنية التوليفة وتلاقحها الضمنيّ للألفاظ المولّدة للمعاني المتسعة في التأول، الذي ابتدأته أو أرادته الشاعرة أن يتجلّى نصها بخصوصيّة محكمة تسرّ المعنى المُحصّن بقوّة الإيماء في قراره، وهو الحفاظ على التلميح أن يبقي على نظام مرفق بعفويّته، بقولها:
ونحن أصفار الشمال هاهنا / لم نطلق العقل إلى آخره / بما تودّ الذاكرة / وما تنص الدائرة.
نلاحظ أنَّ اختيارُ الشاعرة للألفاظ المُولّدة يكمن في قوّة تُمكّنها من اللغة، فهي تُفضّل الترصيع بما يسند معناه إلى اللفظ النحويّ على طريقة جمع ما سُهِلَ توليده في صحّة السبك، وما حلت إثارته ورونقه الشعري بأن أهل العراق أصبحوا أصفار الشمال، ومن منطلق هذا الوعي نقرأ في تيمة تعني السهل أو الروض الممتدّ بجَمال معيّن، وهو ما يقارن بالتبني المرحب بالتصريف الذي يحرر ما أساسه تشخيص أسلوبية الحاكمية، وقولها: لم نطلق العقل إلى آخره. الغاية والقصد في قولها هو التشكيك بالأولوية، لأن اختلاف الساسة بالأولوية هو الدمج الذي أصبح أقوى منا في الممكن بما تودَّ الذاكرة، وهو ما يكون فعل الحاكم على خلاف ما أراده الشعب وما تنص عليه الدائرة، أن يبقى الحاكم في دائرته الخاصة، والشعب الفقير والمظلوم في دائرته المهملة، وهو المطلوب بالتَّصَور بمعنى إدراك الواقع من غير ما يبان بأنه هو عليكم آمراً، باعتبار ليس لديكم عليه إثبات، لكن الشاعرة لها رأي آخر وهو الوضوح عند الجمهور غير المتحد بالقبول أو الرفض، ففي قول الشاعرة يتحقق شرحنا:
وما رأى أوله اوّلها / تقول هذه الرؤى / كيف التصور استوى.
إذن فتيمة " الرؤى " أدّى مصبّها إلى جدول آخر هو " استوى "، والغاية واحدة: وللتأكيد أرادت الشاعرة في هذا البناء ذات الرجع في المعاني، أن تجعل من التضمين براعة لمعنى البيت بالذي قبله تعلقاً أنْ لا يصح إلاّ به، فهي وبهذا جعلت من التضايف أن يكون له سبباً في ملقحة الملامحَ، وليس في التمني، أو ما تنشده للتمام في عشها الناقد، الذي تبدؤوه مسيرة المعارضة من جهة، والمعاضدة من جهة أخرة، ثمّ ينتهي الخطاب العاطفيّ بالاستطراد القريب من الاعتراض، وتلك اهتداءات القصيدة بالنسبية المضمن مزوقها: "الحكام" و "المواطن". لأن العراق يحكمه بصورة لآفة اشمأزت منها القلوب من سياسة تختلف طبيعتها بتقاسم المال والأحوال والمكان، وتلك هي الصورة المدمرة للمواطن والبلد بآن.
أمّا التقدير الفني فمختلف بعفوية المجانسة بين الشكوى وتأثيره الفلسفيّ المعادل الغني بوحدته وتأثيره على التلقي، بين المطلق والنسبيّ في تركيب شعريّ تتوحد به الصورة الشعرية المؤثرة بأحكامها وغاياتها، فالطرح السياسي شكل وحدة تعتمد نطاق التضادّ، وأخرى متفقة معه، وهذا يعزز من بنية اللاقحة بشكلها العامّ، لأنّ الشعر ليس تركيباً من مفردات جميلة أو معقّدة، إنّما الشعر لغة تجعل كلّ العلوم تدور حول نواتها، كالفلسفة، والتأريخ، والحكمة، والبنيويّة وفنيتها، يبقى إذن أن نرى القصيدة محكمة بالمفاهيم المولدة، وقولها:
وهي التي قد أطلقت ما عندها / لأفةٍ لا ينتهي سؤالها / حتى وان قلنا لها لا تقربي.
المجانسة بين مصطلحين " أطلقت " و "التناهد".. مع تيمة " لا ينتهي" وحالها يخاطب الآخر المعني بالتغيير مع بعد الحل المعيون، وتلك الطبائع المختلفة تحيط بها أو تصفها ب " قلنا " وهي الإشارة إلى الذات العامة" نحن ". وهنا اعتمدت الشاعرة خطاب التفويض من تناص علم البديع أي ما تنشده النفس من نداء اختصّ بكمال العزّة، لأنّها مَيزت "قلنا" بذكر الملزوم وإرادة اللازم، إلى نفسها أولاً لأن شاعريتها مكنتها ما اكتسى المضاف اليه باللامنتهي، باعتباره إيقاظ معنويّ، واستقرار على المجايلة الزمنية، وهذا الاستخدام تُكثر منه الشاعرة الزهاوي في شعرها، وهو نوع من أنواع الطراز المتضمّن أسرارَ البديع. إذن المُلقّحة المولدة في مصبّات الجملة الشعريّة بالتواصل مع ما يليها، لا بأس فهذا تمكين معنوي يراد به تهذيب معالجة سياق طبيعة التخلص من الآفة الحاكمة.
وفي هذا الخصوص فإنّنا أمام شاعرة وقفت موقفًا أخلاقياً مع أبناء شعبها بتعرية الطغاة من الأحزاب الطائفية، وهو ما يدلّ على نجاعة شخصيّتها الوطنية الأدبيّة الواضحة، نجدها تعتني بعزّة النفس وشيمتها، نتلمّس هذا الاتّزانَ ومشاربَهُ من خلال نجاعةِ نصوصها الإنسانية المؤثّرة في نفس البشرية، فقولُها الذي اعتلى ناصية الجودة في هذا المقطع الممهور بالفصاحة: ماذا يساوي في الزوايا عندنا / تحطّمت في ليلة العنف/ كوى أحلامنا.
والمقصود في الكلمة الأولى "للأفةٍ" من المقطع الأخير في هذه القصيدة، كما هو معروف في نصاب اللغة: " لأف، لَأَفّا الطعام" والشاعرة هنا تقصد بقولها المعنوي لأفةٍ تستدعي استعارة المعنى بواسطة الاستطراد وهو ما معناه تسوق الكلام على وجه غير مقصود بالطعام، إنما الحاكم أكل كل شيء ولم يذر حبة، ولي أن أطيل تفسير هذه الكلمة المفتوحة واطرح تفسيري الثاني لها بالتحليل للكلمة "للأفةٍ" وتعني التأفف، تأفف فلان أو تضجر من رائحة كريهة، والمفعول متأفف به، والتحليل الثالث لهذه التيمة هو أن تكون الشاعرة قد أخطأت بإملائها بدلا أن تقول "آفة" قالت "للأفةٍ" وأنا أقارب الآفة للمعنى وهو الأصح، لأنها تقول: لآفة لا ينتهي سؤالها والبُعدِ التخيّليّ المعرفيّ في هذه الصورة يستتبع اللاقحة على التواصل، لأن إطلاق لفظ المشبه به يلازم إرادة معناه المجازي الذي لازم المشبه بالاستعارة الحسيَّة، كما سمّاه زياد بن أبيه* عبر مهاراته اللغويّة.
والسؤال: "كيف؟" كشف عمقاً آخر للانطباع المعبر عن الحقائق الموضوعية، بمثابة تعيين الشبه الواضح في القدرة التدميريّة إذا ما صاحب القوّة المنظمة للحياة اليوميّة، التي تعالج القصد بنيّةٍ واضحة وتجيب الشاعرة تلك الآفة تحطمت أو تهشّمت، فهو رأي في سؤال يشحذ الهمّة أن يستيقظ المواطن من منامه والمرارة في حلقه، والمضمون النوعيّ هنا مطروح وعيه في حيرة التساؤل، أين الأحلام النموذجية؟
والجواب الحزين الذي يثار في أعماق الوجدان مصبه التفرقة بين تابع ورافض وهذا ما يؤدي إلى التفكيك والتقسيم، وبأثرِ هذا تشكّلت قوّتان متضادّتان في مضمون: " تحطّمت في ليلة العنف كوى أحلامنا".إحداهما بيّنّاها " للأفةٍ " ولا عجب أن تصعد ثورة الألم عند الشاعرة فتبلغ السعة في خوفها من النظام الجديد الفاشل، على ما بلغه من لزوم قاهر، ممّا صعبَ على النفس تكريس الكثرة من المنحرفين بسلوكهم العام، فليس بين المعنيين واحد يقود البلد بنجاح، والشاعرة صرحت وبدون عتاب لمساوئ أصبحت حالة مستقرة بفشلها، ترى هل علاقة الماضي بلغت مصافّ السيّئات لهذا الحدّ؟ هل كان المحتل شكلاً غيبيًّا يستحوذ على وطنية الحاكم دونما أيّ حذر، فهو الذي يعقد الدستور وهو الذي يفكّ رباطه؟ دعونا نُماثل هكذا قول مَن قاله بعض الشعراء:
لَئنْ كانَ باقي عيشنا مثل ما مضى/ فَللحُب إن لم يُدْخل النارَ أروَحُ".
والمطابقة حذرة جدًّا، خاصّة وأنّ الوازع في المعاني هنا يعالج إشارة واضحة إلى الثنائيّة الضدّيّة المستوحاة في النصّيْن، بين جزئيات "تكوني" وبين ما لم يتساوَ بين المفرد "أنا" في الجمع: "عيشنا" للتكريم في رحاب النص مع أنّي ساويتُهما على مبدأ تطبيق مفهوم سلامة المجاز المكثر في شعرها حتى يدخل المعنى بالرمزية بكونه مطلوب بسببه التام، حتى تحمي حياتها من التصفية، ومعالجة أثر إيلامها على النفس، أي ألا تكون العاقبة وخيمة، فالإنسان في كثير من حالاته خوان عنيد، وهذا ما أرادت الشاعرة أن تحكم العطاء لشاعريّتها، وفي هذا نتلمس تجاوب القارئ مع مناشداتها الإنسانية اتجاهها، وتحذيرها ليس بمحدود ولا منحرف في لمساتها ومطالبها.
وفجأة تنتقل الشاعرة إلى التمثيل العادي للأشياء التي تشكل حياة البشرية، عبر المُنسَّق الحاصل في متابعة سُلّمها الانطباعي، وما جرّ ذلك المقطع من التزوّد بالحزن المنتج للعتاب، وكأنّ المُلمّات التي أصابتها من أثر المصاب الوطني، جعلها تندب حظها العاثر من أثر تحكيم النظام المنحرف، لكنّها عادت تذكر الإنسان بمجده ومعارضته ضد الأبنية الحاكمة بذل الفرد وتطوعيه لسياقها الطائفي، وكأنّها ملامة بتضادّ الواقع، وحقيقة الفعل الذي جعله بحال المنتصر الشامت، وبتقديري فهذا ترويض للنفس للحيلولة دون انهيارها التامّ، لذا نجدها عمدت إلى تفويض مشاعرها من أجل أبناء شعبها المضطهد. فنجدها تَبْسط الإضاءة الحاصلة في مبادئ عين اليقين بتيمة، " أحلامنا "، وتلك محصّلة توليف ميتافيزيقيا الخيال الذي هو وليد المتخيّل في المتن المحمول بواسطة النسق الحاصل في القرار الكامن في معالجة التكثيف، بسبب زحاف الاستعارة للتوضيح المباشر بالقواعد الكلية المشتملة على جزئياته.
ولذلك أصبح المعنى مستقراً على نحو مأخوذ بالكثافة وتجانس الْمُخَيَّلات إلى ما تتصوره الشاعرة من مصير مجهول لشعبها، لأنّ عموم قصائدها في فترتها الأخيرة تناولت المجاز المركب، فجعلت من لغة الصوت تعلو على ما اختلفت عليه بعض الشاعرات اللاتي تناولن الأسلوب ذاته، ولكنها توحدت فأبدعت وخاصة في معنى المخاتلة، فهي تحاكي الذات حول مصير الوطن، أمّا البليغ في هذا المعنى أصبح حكمة فصيحها يكمن في نفي المباشرة، ووجودها يعني أن تلك المعاينة ولدت بأثر الحاصلة المسندة إلى التكييف في معيون فضائها الشعري، وهذا مصدر القلق عند الآخر بتلك العلانية النقدية في قصيدتها، فالصورة منذ أن حطّت الخطابة في مبتدئِها تكون قد جانست التوشيح المقرون بالمعنى فاعترضت الترشيق الذي كان يُلابس سهولة سريان خلجات الصورة الشعريّة، ومع هذا فالشاعرة لم تسفسف لغتها، إنّما أحدثت توليفاً محكماً بالمجانسة وخاصة في الاستعارة، والمجاز العقلي، والمحادثة مع القارئ.

قصيدة:
أباطيل...

باطل.. باطلٌ
كل شيءٍ هنا باطلٌ
ثم قبض الرياح
المباح الذي لا يتاح
والحرام الذي يستباح
البيوت.. الشوارع باطلة ٌ
البقايا
الزوايا
الخفايا
الظلال ُ التي نسجت نفسها
مثل سجادة ٍ تشغل السوح
والشجرُ اليابسُ المتشنّج
حيث الوريقات فوق الغصون
التي يبستْ كلها
والنخيل وقاماتها الباسقات
والرماحُ التي لا تصيب الهدف
والتماعٌ يئج ّ به هدفٌ لا يتاح
والذين يمرون عبر الرصيف
وفوق الظهور همومٌ، ترتدي ثقلها
في الصباح
والقوانين ُ آه القوانين
التي فصّلوها عليك
فكانت على القالب الذي فيه أنت
مهيأة ٌ.. والقراطيسُ آه القراطيسُ
قد رُتّبتْ
قبل أن ينجلي الامر
عند ارتفاع الستارةِ
في موعد الافتتاح.

الباطل الذي يُعَرَفْ على أنه ما لا يعتدّ به ولا يفيد بشيء، ولي مثال بما فسره العرب: "كبيع الصبيان وبيع الحر،" ومن يتاجر بهذا المحرم فهو فاقد لانعدام الأهلية الأخلاقية والمواطنة، خاصة في قول الشاعرة: "والحرام الذي يُستباح" إذن أصبح الحرام مباحاً لأن كل شيء باطل تفننوا وتقلدوا به وتسابقوا على حكم البَدائِيَّة واختلفوا في البقايا والزوايا والأملاك المستباحة، والقوانين التي فصلوها على الإنسان العراقي وحملوها بالمليارات من العملة القاتلة هي الأخرى باطلة، في الموعد ينجلي ارتفاع الستارة حتى تكون الكتلة العميلة خالية من الزمن إلى فعل اللازمان، وحالها يعالج الشرط المُؤوّل فعله، بالشرط الكائن في الزمن الذي فيه يختفون إلى حيث كانوا، والزهاوي بحرقة تخاطب المعنى بالإضافة الإشكاليّة، أي بتأثير مصدر الفعل المشروط وقوعه على الحياء النفساني من كشف عورات واقعهم، المعلنة في مساحة الفعل الغيبيّ، كوْنه خاليًا من المنظور الجدليّ في بيانه المصطلي بخاصّيّة الملامة، ومن أجل أن تنصبّ نيّاتُ الشاعرة في جدول المشاعريّة القصوى، نجدُها قد تخلّت عن الإعجاب بشخصها، حين كانت تحرص عليه بوقارٍ شديد التحصين، فغابت معاني الابتسامة عن صورتها بتأثير المعاني التي اختفت من على الوجوه، المعبرة عن تجسيد الوعي الدلالي في لوحاتها الشعريّة الناقدة والمؤلمة بآن. فالشاعرة أرادت ألا تكون المعالِجة، تخضع لمشيئة الطباق في تجنيسٍ عائمٍ لا يؤدّي إلى بلاغة مفهومة في مواضع المعاني، بل غايتها أن تصطحب شموليّتها التهذيبيّة، من معيون مُعالِجة الإيقاع بنظام غير مضطربٍ، وهنا يأخذنا إدغار آلان بو إلى أن، "الذين يملكون نوايا تتلمّس العاطفي المشذب، أو اعتقادات عالية جدّا خاصّة بأنفسهم، أو يصنعون خططا تتّسم بالمبالغة، تتناسب مع كفاءاتهم تلك تحمل موازنة رديئة.9" وشاعرتنا نجدها تحلم، ولكن ليس على طريق الشاعرة المراهقة، بل توظّف إحساساتها بخصوبةٍ تُناجيها هي، وقولها في هذه القصيدة يأخذنا شيئًا فشيئًا إلى هذا التصوّر: والقوانين التي فصّلوها عليك مهّيأة / والقراطيسُ قد رُتّبتْ / في موعد الافتتاح. نأخذ هذا المشهد البَديْهِي بيقينيته وبراهينه الواقعية، وقصد الشاعرة ما يراد به توجه العقل إلى أنَّ المصداقية هي إثبات للمواطن المنتهك، والنفي ديدان للحاكم وقياسه، من أجل هذا نحاول في هذا السياق من دراستنا أن نفكّك ألغاز التصريف المُسوّر بالرموز والاستعارات، التي تُشَبِّه التضمين بشيء يقع التشبيه عليه، أي أن يكون الرأي محمولا على الأفعال بلا تحريف، هذا إذا كان الأديب الموسوعي يمتلك الإلمام بالتعليل الثقافيّ في هذا المضمون، ربّما هو السياق العامّ الذي تعتمده الشاعرة، أن تحرص على أن تجعل من القدرة الاستقلالية مُحصّنة بمعانٍ قد تكون قُفِلتْ بمفاتيح خاصّة، تنسجم خلوتها الأحاديّة مع خصوصيّة التفسير، والعبور به إلى الحواس مباحة التلقي.
والقارئ يشهد بمعايشته الظلم والتشكيك على أن الحاكم لا حياء عنده، بوارد محاصلة القوانين التي فصّلوها للتطبيق المخصص على المواطن ومحاصرته بالتعسف والتذليل والتعقيد، الذي تلقفته الشاعرة الزهاوي فصورت تلك المظلومية المعنية بمخاطبة الطبقة المعارضة للأفعال المشينة من قبل السلطة الإسلامية، كتعليل للمناشدة بتحريض الذهن من المؤثر إلى الأثر على مستقبله، بأنَّ الحاكم يفتي بأنه خير من الشعب، وبهذا يقول أفلاطون: "لا قيمة للشعر إلاّ إذا كان صادرًا عن عاطفة مشبوبه، وإلهام يعتري الشاعر فيما يشبه النشوة الصوفيّة.13" ومع كلّ هذا التأثير للمعاني على تحقيق تقنية محكمة لسلم القصيدة وقدرتها التنفيذية، من لحظة المذاق الأوّل الذي نتصفّح شاعريّتها، صعودًا إلى المؤثّرات الوجدانيّة القصوى في البواعث والغايات، لأنها تشتغل على تهذيب دقيق في الاستدلال المعنوي لإثبات المدلول سواء أكان ذلك من الأثر إلى المؤثر، حتى تكون نسب الذكاء الشيطاني عند هذه الطبقة تزداد كتحصيل حاصل من أجل تحقيق المطلوب الذي يسعون إليه بتحقيق شامل للجريمة.
وبلا شك فإن الشاعرة قد ألقت الضوء على تلك السياسات المدمرة التي أحكمتها بالإثبات والإجمال، حيث لا وجود للفوضى في الإحكام البنائيّ في وحدة النص بين الموضوع والشاعرة،
1- ألان بو، إدغار: كتاب الشعر والقصة، دار المعارف / مصر، الطبعة الثانية 1942، ص210.
2- غنيمي هلال، محمد: كتاب النقد الأدبي الحديث، دار العودة / بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1973، ص367.

بكونها حريصة على الالتزام بالعلوم اللغوية والبنيوية، فقد اشتغلت على الأجزاء النحوية بالإحاطة التكنيكية المأخوذة بسياق تقنيّات الوحدة الفنيّة، كما هو الحال عند السياب الذي أمتع الشعر العربي عامة بجديده "التبديل البنائي" من البيت الشعريّ "الصدر والعجز"، إلى الشطر الشعريّ، وسمي بشعر التفعيلة، وتبقى الزهاوي تحرص على أن تبقى علاقتها بالجديد مبنية على ضوء تعزيز المفاهيم بالدفق الحاصل بوازع التعريض في الكلام، فأجادت من حيث تلقي الأثر الحيوي وجعل التلقي يحاكي الجدل الجازم بالكَلِمِ، بسبب تباين المسلمات المدركة للبرهان، كما لو أنه مراء يتعلق بإظهار الايعاز الحيوي المحرك للإيقاع الصوتي للألفاظ، وفي الوقت ذاته تؤمن الشاعرة بأنّ الجودة التوليدية هي نقيع مهارات بنيت من جوابات فطريّة ميتافيزيقية حدسيّة، مُنتجة للصورة التلقائيّة، فيكون الشعر تعلو موسيقاه بالخيال والعاطفة الحسّيّة المترفة.
يقول د. شاكر عبد الحميد في معرض لقاءاته الأدبيّة: "الإبداع لا بد له من إعداد جيّد، وجهد عنيف في التدريب، واكتساب المهارات اللازمة كي يصير المرء قادرًا على بلورة أفكاره، وتشكيلها وتحقيقها في مجال معين".
وكلام الدكتور عبدالحميد هو إبانة للتوضيح والتسهيل، فلو أخذنا أمثلة تدعم تصوّرنا فيما نذهب إليه، على أنّ الخصوبة الشعريّة وليدة إبداع عفويّ فطريّ، يُنتج في لحظته الأولى شعرًا، ولي أن أبسط أسماء بعض الشاعرات، وأعترف بشاعريّتهنّ اللاتي سيدخلن كتابي هذا من بوّابة جماليّة الاحتراف ومنهن: عاتكة الخزرجي من العراق، وهبة السيد من مصر، ويسرا الخطيب من فلسطين المغتصبة،
وهدايتي لهذه الأسماء إنما رشادي بالوقوف على تميَّز أعمالهن والتسهيل الذي نقصده إنّما هو اهتمامي المعلن في ملقحة الجملة الشعريّة بمعانٍ تشدني بلاغتها بالوضوح والتجلي الصوتي، كقول الشاعر أبي نوّاس:
فَثوبي مثلُ شعري مثل نحري/ بياضٌ في بياضٍ في بياضِ"
لقد اعتدنا أن نتعامل عقلياً ونستسلم لهذه الاحساسات الباعثة للمذاق المادّيّ من بواطن المواضعات المحسن سبكها، سواء أكان في التفاعل أو بلوغ التصاعد الذي تسمو إليه الشاعرة من جعل حالات الشعر يبلغ تحقيق غاياته، لأنّ شاعريتها المرنة تنسج توازن الوعي في نقاء البنية التصويرية، لا من مخيلة الفنتازيا السياقية وحسب، وإنّما هو محصلة التوليد المعنوي الذي يحرض الصورة الحسّيّة أن تبوح تفاعلها من حيث جودتها ونواياها وتعبيرها، الذي يقدم للحالم التصادم العاطفيّ بالمعاني التي لا تُجرّد التمثيل الصوتي من وعيه الباعث للحسّيّ المباشر، حتى لا تكون القراءة أشبه بطنين يُثقل السمع، وما أرى ذلك بنافع في الشعر، خاصّة وأنّ الشعر حمّال لغته، إذا لم يسعفه الشاعر بحُسن وتريّات الألفاظ الدالة على مراده، بأن يوعز إلى مُباهجة المعنى بتحريض التأمّل.
يقول ابن بشر الآمدي "لن ينتفعَ بالنظر إلاّ مَن يُحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمّل علم، ومن إذا علم أنْصَف. 10" والمقصود بكلمة "النّظر" تعني التأمّل العميق، فالفيلسوف عميق الحكمة كما يرى أرسطو، والشاعر بليغ النظم كما يرى شكسبير، والفارس شديد العزم كما يراهُ عنتر.
إذن هو الحذر ربّما كانت سماء العراق ماطرة بالويل والثبور وليس بالخير "المطر" ومن الهيام ما وسع في عشق الزهاوي للوطن وجعلها ترتدي ثقلها بالهموم مما حدي وحصل، بخلاف ما كان لماضي الشاعرة الاجتماعي الذي استكانت في ظلّه، لكن السماء أضحت مُلبّدة بغيوم لا تُدِرُّ ولا تنفع، والدليل هي متحجّرة! متى حدث هذا الانقلاب في العلاقة بين مشاعر الشاعرة والوطن؟ فهي لم تَرَ نفسها صالحة للسكوت الذي أصبحت حالته معلقة بين غيمتيْن عاصيتيْن على أمل مطر المعنى الخالد من قدسيّة الغيوم. وبين معنى الغيوم التي أصبحت عدوة، ولكن الحال تنقّل بها من ارتفاع في مقدار الولاء حيث بلغ العلا، حتى أصبح الولاء ينام في القيظ من شدة الحريق، بمعنى الرجاء الذي جمُد فقد انتهى،
1- عبدالحميد، شاكر: كتاب عالم المعرفة / الخيال، دارالمجلس الوطني للثقافة، الكويت، الطبعة الأولى 2009، ص 205.
2- بشر الآمدي، لأبي القاسم الحسن، دار المعارف، مصر، الطبعة الرابعة 1992، ص271.

والغريب أنّ حتى العلاقة صبّت في خزان الوداع، لكن الأمل بقي واردًا وفي هذا نقرأ الجملة الشعريّة المُركبة في مطابقتها وجناسها فالشاعرة حصّنت العبارة بهذه الجملة، فأصبح "الغيْم" أو الظلام مضاء بإبائها، وهذا ما كنّا نقصده بالذكاء المموّل لنشاط محاكاة المعنى، المُنسَحِب في قدرته على التنبيه التقنيّ، فالتضادّ في الانطباع في الصورة الأولى والثانية سنا في الإيضاح الأسلوبيّ، لأنّه لا يمكن استبدال صورة قويّة بصورة أقلّ حضورًا، ولهذا نؤكّد على متابعة المعنى لصعودٍ أكثرَ قابليّة لتعزيز المعنى، من وعي ترابط المستعار الدلاليّ المُوظّف القيميّ، للغرض من النظم الفنيّ الشعريّ، حتى يندرج النص تحت تقنيّةٍ تنطوي على سيولةِ مشاعريّة التمثيل، فالعتابُ حاضرٌ في حال جاء طرح هذا السؤال: بماذا اخطأت؟ فالشاعرة عبر ثقافتها البيّنة واعية في جاهزيّة الردّ بالحجة، لأنها تضع المعنى على المحكّ، ربما لأنها استعارت المقصود بحملها للهموم، يقول الشاعر سعدي يوسف: "المدخل الاستعاريّ التقليديّ في النصّ مدخل خاطئ" ولكن الاستعارة هنا حاصل تحصيل لذاتها وصفاتها، لأنّ غايتها أسبابها في بُعده المعنويّ عن السكوت لما يجري بالعلن، فالعتاب يرتبط بفصاحة البهاء التاريخي للوطن، وليس العكس كما يقول الحاكم، والنداء أنّ حبها وخوفها على أبناء جلدتها والوطن الذي ولاّها على ولائِه، فهل بعدَ هذا تكثر المصائب؟! إذن حكمة الجملة جعلت من الحمل الحاصل على ظهر الإنسان الذي ولّدت ثقافاتُه أو المتغير في " لباسا" تتمثل بشكواها، وهي تعترف إنّه ولاّها، حين كان نداؤُها مختصًّا بالثقل على الظهر. وهي صيغة عتاب، والإشارة لم تُقِمْ له وزنًا، في حين أقام هو لها حضوراً مقدساً.
وفي الخاتمة نتابع رقص الصور في هذه القصيدة:

قصيدة:
النور مدادي:

ما أروع أروقة الصيفِ الصّادي
والليلُ به البدر المتهادي
ما أسرع ما يمضي الوقت
تحلو أنسام البرد
وتعبرنا صورُ شاهدةٌ
ورسوم الليل الوقادِ
وكأنا فوق جوادِ
**
يخفقُ فينا القلب سريعاً
فيما تحمله من مغناطيس أخّاذ
كنت أهمّ منار تلتمّ حواليه
أغفو بسروح الخلد تطّل علينا
تبني في الصبر هنا سُدفاً
تعلّق في قلب الليلة لي نجفا
وصروح تعلو في وطني
يرفعها للعزّة طيف وداد
أنت جليّ الروح تصدرت مرادي
نبنيك مع الأيام رويداً
ورويداً
تفكرت.. وصرت نجوماً
ونجوم

نقرأ في قرار هذه القصيدة فصلاً نفسانياً له هاجس مستدرك بالنجوى عن الشكوى والضر والسلب والتضرع، لأن الشاعرة أخذت بثقافتها المتناغمة مع الثقافة الأوروبيّة، بالابتعاد عن العادات والتقاليد والخضوع لحياة تكون قد أُجبرت عليها من هذا وذاك، فأسلمت ذاتية متخيلها لجمال الطبيعة، ففي قصيدتها المُعنونة: "النّورُ مدادي" المحصّنة بارتباطها بالهدف التحرري الذي تتمناه لمجتمعها، وتصييره بما ينطوي في نصها الفكري المشرق بالتراكيب من الإعراب والبناء والنحو المعرف بأحوال الكلم المشار إليه بالنسبة الثبوتية، بالصورة الشعرية التي يتجلى بها الوعي الميتافيزيقي المحصن بمكتسب التباين في شاعريتها، فقد تَشادَ شعرها مع الحياة اليومية المكشوفة على فضاءاتها المعنوية، وهي تصاحب الرضا المقترن بالرومانسية التي أختلف أجوائها، من معيون هذه النسبية تكشف عن لغة تحتشد فيها الإدانة والهجاء من جهة، ومن جهة أخرى صيَّرَت سحر الطبيعة على أن يشارك طبيعتها، لأنّها تُخاطبُ النور أي نور الشمس الصافي فجعلته مدادها، وبهذا أصبحت الحالة الشعرية عندها تفيض بالتنوع الجناسي في مفاصل قصيدتها، وحالُ لسان العنوان يقول: أنا وما حولي صَبَا، ومناخي الصَّحْو بالحس المنفتح على سهل التراضي تطيب النفس بالولع الصوفي المعانق المثالي، وكأن حالها يقول فكم من روضة نشدت لنا طيورها طيب التلاقي، ومتخيلها يوسع الذاكرة بقول تَخَلقَ الشعر لنا بلا حجاب، وقول الشاعر بشير بن النكث:
" إذا ما أبرزت زادت ضياء ... وتشحب وجنتاها في النقاب".
مِن الممتع أن نتذكّر كيف وظّف أينشتاين مفاهيم "صورة ذاكرة"، باعتبارها عنصرًا مُسيِّرًا للإدراكات النوعيّة، وكأنّه جرّاحٌ يبضع النظريّة في عملية فسيولوجيّةٍ تعالج الخيالات الحسّيّة، فتُكسبُها صحّة وعافية، حيث يبدأ تعاقب الصور في تنظيم بعضها البعض كخلايا الجسد، وهي قادرة على القيام بفعلٍ معيّن أو وحي من ملمح أتاها في صيف البيداء، حيث تقوم بمزج متخيَّلها بأدائِها المباشر في قولها:
ما أروع أروقة الصيفِ الصّادي / والليلُ به البدر المتهادي / ما أسرع ما يمضي الوقت / تحلو أنسام البرد / وتعبرنا صورُ شاهدةٌ / ورسوم الليل الوقادِ / وكأنا فوق جوادِ.
يقول كانط عن ملامسة تفكير أينشتاين حول مقاربة العقل بالخيال الإبداعيّ، المرتبطة بالأداء بين الإدراك الداخليّ للعقل، وبين البصيرة التي تكشف عن رؤية الخلق الخارجيّ، كصُورٍ مُستخلَصةٍ من الموضوعات التي نراها أو نتساوى معها، وخاصّة تلك التي تختصّ بالمُثيرات العاطفيّة، ففي هذه القصيدة نقرأ التمنّي والرغبة والاستسلام والبوح الصادي، لأنّ الهيام المتخيل عندما يستوح للنفس ودها. حيث نجد النتيجة الايجابية في طبيعة الشعر، وآمال الزهاوي من هكذا جناس حين تعالج مساقها الفني تبرز ملامحه واضحة كالشروق وهو يُثير التجلي فنّيًّا، وتلتقي مع القارئ بتجاوب شفافيّة التشكيل اللغويّ، وتتحد ايجابًا من حيث قوة المنبع الشعوريّ المفترض أن يُغذّي النفس بحلاوة نظمه. والقصد أن تكون الألفاظ تثير شهوة المركبات المُطْمَئِنَّةُ بجواز الجزء، إذ صح لنا أن نقول أن محصلة الإجمال تحتمل أموراً متعددة، ولذا فالزهاوي وسعت من استدراج الصوت في صفاء التيم في لغتها المحصنة بالإيقاعية، خاصة عندما يكون تصرف طرفيه كافياً للمعنى لأن المفردة الاصطلاحية تمُتع سريان المعنى على سفح بلوغ الشعر إلى المستوى النوعي، ولهذا فهي تحاول جاهدة أن ترومَ تصاعدَ شاعريّتها نحو توليف المختصر المجازي، على متن السياق المُلبّي للمعاني المركبة بمفاهيمها الموجبة، وبه تطلق من جوانب امتزاج الصورة الشعرية بالمعنى الواحد أو أكثر من معنى خاصة بأحكام التأول على ضوء مساحة يتحرّك فيها تجانس الصورة في تعليل الشيء ومبتغاه، لأننا نجدها تُقَلَبَ الحوار من حال إلى حال، وهذا مقرون بسعة ثقافها العامة من وازع تُلقّين شاعريتها اليقظة على أن لا ينقطع ضوؤها الشمولي في نصها، أمّا ما تأخذنا إليه الشاعرة في الصورة الثانية من هذه القصيدة، نجدها تتابع شحنها للمشاعر الموقدة من فيض صبابة بديع التقابل بينها وبين الواقعية حيث لا تغيب الشمس عن عواطفها، التي تشير إلى الإذن بإتيان الفعل كما أشاء الفاعل، نقرأ قولها بهذه الصورة: تحلم أنسام البرد / وتعبرنا صورٌ شاهدةٌ.
نجد شاعريّة الزهاوي محصنة بميلها الملحمي التصويري المنظم بمساقها العفوي، فوصفها لأنسام البرد المبلّل بالمزاج الرحب بتلك الأجواء الصيفية الصحراوية وكأنها تقتفي أثر ليلها بالدلائل، والقصد المعمول به في كالح الليل، أي بانتظار شمسها، وهنا نحتكم ما بين الليل والإصباح بمجانسة دقيقة وواقعية رغم الخيال الشعري، وتيمة "الشاهدة" تحتمل معان متعدّدة أكثر وأسهل، فليس فيها الشاذ والثقيل والمبهَم إلى غير ذلك، وقد عالج الآمدي التسهيل اللفظي للتحكيم: "الأسد أفضل من قولنا غضنفر، وغضنفر أفضل من قولنا فدوكس"، وقولنا السكّين أفضل من قولنا مِدية، لأنّ السهولة في الألفاظ لا تعني الشاعرة الجاهلة، والكلام القاموسي لا يعني أن تلك الشاعرة ذات اطلاع واسع التثقيف، أو الشاعرة العظيمة، بل العكس من ذلك، فالشاعر أو الشاعرة يُعابُ عليهما إذا جعل كل منهما أن الشعر صنعة، كما يفعل الكثير من شعراء المواقع الإلكترونيّة، وهذا نسمّيه الجهل حتّى يُثبت وجوده الإيحائي.
كان الشاعر بلند الحيدري يدلّنا في كلّ محاضراته، وهو يعالج الأحوال المتباينة في محاسن قيمة المبدع لنفسه، ألا يكون مبتذلاً على كلّ الصفحات اليوميّة، حينها لا يجد له متابعًا ومؤيدًا، ولا قارئًا متشوّقًا، لأنه يبتعد عن الجديد المثير في كتاباته، أمّا ولأنّ الجديد المختلف عند الشاعرة الزهاوي إنما هو إخلاصها الدائم بطبيعتها الاصلاحية بتخليص النص من الشوائب المكدرة، وتقديمه صافيا من ثقل الموصوفات بالعلل والإدغام، كون تلك الغرابة تتمثل بالكلام الوحشي غير مألوف في معانيه، ولا مستساغ للمتلقي، لذا فهو غير متداول فتقلّ قيمته وتُهمل غايته، ومع هذا اللفظ غير المتعارف عليه الذي قاد البعض إلى أن يقتفي فيضَ غروره، خاصّة بعد أن تعرفنا على المسار العامّ في طبيعة الإفهام الدلاليّ، الذي يبوح للعاطفة قوّة سريان المشاعر المقنعة والمرغوبة والمفضلة على الكثير من شاعرات العرب، ولي أن أتخيل لطائف متعة الصور الحسيَّة بمعانيها المبتدَعَة بقولها:
يخفقُ فينا القلب سريعاً / فيما تحمله من مغناطيس أخّاذ / كنت أهمّ منار تلتمّ حواليه / أغفو بسروح الخلد تطّل علينا / تبني في الصبر هنا سُدفاً.
وكما قلت سابقًا، أنّ الشاعرة حذرة جدًّا في استخدام الإثارة الوجدانيّة، فتميل إلى تصريح المعني بسهولة القبول والفهم، وقد أسميْتُ هذا الاتّجاه بالإثارة المُحصّنة، أمّا الحاصل في استخدام تيمة " مغناطيس " وهذا مفهوم شائع في مصطلحات الكلام، فالتيمة هذه دخيل مكروه ولا تتفق والفنية بشيء، خاصة وأن آمال الزهاوي لا تعطي متكارهاً ولا متكلفاً، بل نقرأ في الكثير من جناسها الخصب يلاحق النموّ في فيض الشعرية المركبة، بسهولة نبوغ الصورة من لغة مولّدة، نقول فاض الشعر بمعانيه من خيال مبدع فأحسن الدلالة الفصيحة بنشوة ذات مسارات متعدّدة القيمة، حيث موسوعة مفاخرها ومجمع خصائها اللغوية وتعدّد المستعار التاريخي، الذي يتخلق متّسعًا مِن القبول الذي ينمو في دواخل قصيدتها. وقولها: أغفو بسروح الخلد تظّل علينا. ففي هذه الصورة الشعريّة تتصاعد خلجات الذات بسموّها إلى أعلى غايات العاطفة، لماذا؟ لأنّها اقتفت فيضَ ظلّ الخلد وهذا يبلغ الفصيح التصويري لمعنى الذات. إذن حتّى وهي تقتفي هذا الفيض، تجتفيه في الظلّ وليس في العلن وبفعل الضوء صيَّرَتْ خلوتها، تريد بها أن تنتشر روحها في الشروق الممتع، ولكن في ظلّها الخاصّ، وهذا حقّ إذا لزم الأمر لهذا، لأنّ العادات والتقاليد الظالمة في المنطقة العربيّة تُجبر المرأة أن تزاول هذا الفعل، فكوْنها مقتنعة بفعل التمرّد، إذن هي مبتهجة ومتورّدة، وهذا التورّدُ واضحٌ في لغتها وهي تبني في الصبر هنا سُدفاً.
صورتان تحتسبان الإثبات غايته التوليف، لأنَّ الجملة الثانية مضافة إلى الأولى، والمضاف يكتسي من المضاف إليه انسجامًا وتخصيصًا وتوصيلاً، وحتّى لا يكون الشعر مُبهَمًا ومُعقّدًا وغيرَ معروف، وهذا ما لا نريد منه أن يوقعنا في فخ أداة " لو" أو "كما". صحيحٌ أنّنا ابتعدنا بمركب الحداثة وحمولتهِ المُجدّدة للأدب عن المدرسة الواقعيّة، أو عن الأدب الواقعيّ، لكنّنا يُفترض بنا أيضًا ألا نرومَ الإبهامَ والصور المعقّدة، فنوقع ألفاظَنا بالمعاضلة ونشاز الاستطراد، فتكونُ الألفاظ تبني وصفًا عارضًا في الندرة للمعنى، ومثله قول الشاعر أوْس بن حجر:
"وذاتِ هدمٍ عَارٍ نواشِرُها/ تُصمِتُ بالماءِ تَوْلبًا جدعًا"
ومن خلال هذه الصورة لأوس بن حجر نقول للشاعرة يستحسن تلاقحَ العضويّة النحوية لأيقاظ المعاني، كي تأتي صافية بتعاطيها مع المتلقّي، واضحة المَخرج، تأخذ الشاعريّة إلى فصيح ساحل مبتغاها. في حين نجدها في مقطع آخر تستدعي المُقدّس "العذراء"، ألا تكون مرشدة لأخطاء قد حدثت، أو تصلح من شأن كان قد اتّخذ موقفًا صارمًا اتجاهه، ينتهي إلى التخليص ويبقى عالقًا بالذكرى، مستفيدة من تجربة تُعبّر عنها باستنطاق الذات، لأنّها تستدرك قرارها المتمثّل بالذم والعتاب القاسي، ومن هذا الاستدعاء قولها:
وتعلّق في قلب الليلة لي نجفا / وصروح تعلو في وطني / يرفعها للعزّة طيف وداد / أنت جليّ الروح / تصدرت مرادي / نبنيك مع الأيام رويداً / ورويداً / تفكرت.. وصرت نجوماً ونجوم.
حاصلهُ أن تأخذَ الاستعارة المكانية في هذه المرة من الليل لتكون" نجفا " وتلاقحها بفتنة الشاعرة فتكون هيبتُها مقدّسة، لأنّ الجملة الثانية " " اقترنت بالدائرة التي تُنتج وصروح تعلو في وطني الحياة في الجملة الشعريّة الثانية تتلقح بالأولى بتمام المعنى والثالثة، الموسومة ب " يرفعها للعزة طيف وداد " المُحرّك الدلاليّ لبلوغ التمنّي، وهو توظيف دقيق ومفيد للاستعارة المولّدة "النجف"، فيكون الوطن المتمثل بالصروح، هو الرديف المُساوي لغاياتها، أي الناطق الموصول من قدسيّة النجف، حيث لا تلكُّؤٌ ولا مُعاضلة، بل تفويق يدلّ على معنى آخرَ بقرينه، أو هو مشتقًّا منه، حيث تتساوى قيمة الألفاظ بمعانيها.
أمّا في السطر الرابع فتكون المعالجة ذاتيّة، بين الروح والمراد، ليكون القلب هو المجذوب بالإرادة اتجاه المحبوب سواء أكان هذا المحبوب الإنسان أو الوطن أو ما يجده الشاعر يشابه المراد، والمقصود هنا ما يعطيه القول عن نية صادقة ومحبة، ونحو هذا من القول الكثير عند الشعراء، فالمعنيان إنما اتفقا للإثارة والتذاذ المحبة، ومع ما تقدم من قولنا نجد الكثير من الأدباء يفتقرون للثقافة الفسيولوجية، لأن الروح تعني أجهزة جسد الإنسان فلولا الروح لما وجد المراد "القلب" وبقية الأعضاء التي تشكل الروح، ولكن هي المفردات الشعرية التي يحاكيها الشعراء ويجدونها معبراً حسياً عن مشاعرهم وعواطفهم، فلو قالت الشاعرة " أنت مراد الروح تَصَدَرتَ زمني" لماذا زمني؟ لأنها قالت في الجملة الخامسة: "نبنيك مع الأيام رويداً" والأيام تتحد بمعنى الزمنية بكونها جزءا منه، وهو ما نسميه التجاذب أو ملقحة التيم، والحاصل هنا هو ما على الشاعرة أن ترضي ما تراه متصلا بوحدة المعاني في ذات الموضوع، بتأثير جاذبية الوصل بين اللغة والنحو والمقصد فهي من جهة أخرى تُبيّن قدسيّة محبتها اتجاه الوطن، بإثارة العواطف المألوفة في طبيعتها، لماذا؟ لأنّها تسامرت بجاذبية صفات المكان "النجف" المتمثل بقدسية دالّة على محاسن الزمكان تتسم بها هي، وفي الوقت ذاته تجد ذاتها متصلة بالمشاعر وبوازع التناغم مع منعطف المحب، بقولها: تفكرت وصرت نجوما ونجوم.
وتبقى الشاعرة العربية العراقية آمال الزهاوي تحتل مكانة ناجعة بالتساوي مع الشاعرة العربية العراقية نازك الملائكة وربما تتعداها لو حظيت بذات الاهتمام الذي حظيت به الملائكة من الصحافة والاعلام، لأنها ابتعدت عن النثر الشعري كما أسماه الناقد العربي الفلسطيني يوسف سامي اليوسف، وللأمانة فالزهاوي مكنت الحداثة بمنجزها الشعري من تطورات ملحوظة بأهميتها البالغة العلا والجودة والنقاء الفني واللغوي، فأكثرت من المجاز المحكم والنابض ببنيته الشعريّة الإيقاعية حيث يتجلى الحرف بصوته الأخاذ وموسيقاه الطربية، وخاصّة الحروف الصوتية التي تقود القارئ إلى الوضوح والتعلق بنصها، من حيث قوّة الصياغة وبلاغة المعنى الذي يَكسب تفاعله مع القارئ، وهذا ما يؤدّي إلى تحريك مصبّات الانفعالات العاطفيّة المشاعرية، وشعرها ينسج استدارة بريقُ ألفاظٍ حَسنت بإشراقها، بمتحرك يتواصل مع المتلقي من وازع فنيّتها النوعية، حتى لا يكون النص الشعريّ نثرًا علميًّا صناعيًّا، فتفقد الانفعال العاطفيّ بكلّ تجلّياته، سواء أكان في الخيال، أو مائيّة الصورة، أو التأثر المعنويّ.


هامش:

1-نيتشه، فردريك: إنسان مفرط في انسانيته، كتاب العقول الحرة، مطبعة أفريقيا الشرق، الدار البيضاء / المغرب، الطبعة الثانية 2010، ص27.
2- ديلون، جانيت: كتاب شكسبير والإنسان المستوحد، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد / العراق، الطبعة الأولى 1986، ص26.
3- الكواكبي، عبدالرحمن: كتاب علم اللغة بين القديم والحديث، مطبعة الجبلاوي، شبرا / مصر، الطبعة الثانية 1986، ص190.
4- شيبلي، تي: كتاب أثر الخيال العلمي، مطبعة الروضة، بيروت، الطبعة الثانية 1990، ص110.
5- بشر الآمدي، لأبي القاسم الحسن: كتاب الموازنة، دار المعارف، كورنيش النيل/ القاهرة، الطبعة الرابعة1992، ص345.
6-ألان بو، إدغار: كتاب الشعر والقصة، دار المعارف / مصر، الطبعة الثانية 1942، ص210.
7-غنيمي هلال، محمد: كتاب النقد الأدبي الحديث، دار العودة / بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1973، ص367.
8-عبدالحميد، شاكر: كتاب عالم المعرفة / الخيال، دارالمجلس الوطني للثقافة، الكويت، الطبعة الأولى 2009، ص 205.
9-بشر الآمدي، لأبي القاسم الحسن، دار المعارف، مصر، الطبعة الرابعة 1992، ص271.

*شاعر وقاص وناقد: