زينب خليل عوده*:
حين نكتب عن شخصيات عابرة، نجد الكلمات سهلةً وطائعة. أما حين يكون الحديث عن قامة وطنية بحجم الدكتور رياض الزعنون وزير الصحة الأول، فإن الكلمات تتردد، لأنها تدرك أنها أمام تجربة أكبر من أن تُختزل، وأعمق من أن تُحاط. ومع اقترابي من سن التقاعد، بعد رحلة طويلة في العمل بوزارة الصحة، شعرت أن الصمت في حضرة هذا الاسم تقصير، وأن الشهادة له حق لا يجوز تأجيله.
ثماني سنوات عملت فيها ضمن فريقه، لم تكن مجرد سنوات وظيفة، بل كانت مدرسة شاملة في المعنى الحقيقي للقيادة. رأيت فيه المسؤول الذي لا يلوذ بالمكتب، بل ينزل إلى الميدان، يختبر الواقع بيديه، ويصغي للناس بصدق. لم يكن يدير مؤسسة فحسب، بل كان يحمل وجع الناس كقضية شخصية، ويعامل الصحة باعتبارها كرامة إنسان منظومة متكاملة، لا خدمة إدارية.
يسجل للدكتور رياض أنه أسس وقاد المجلس الصحي الفلسطيني قبل وصول السلطة عام 94، وهذا المجلس هيأ لقيام وزارة الصحة ، ومنذ توليه مسؤولياته في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخنا، حيث التحديات تتجاوز الإمكانات. لكنه لم ينشغل بتبرير العجز، بل انشغل بصناعة الممكن. ولم يعرف التراجع، ولم يسمح لليأس أن يجد طريقه إلى مؤسسات الوزارة، فكان حاضرًا في كل تفصيل، يقود العمل بإرادة لا تلين، متنقلًا بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، وكأنه يسابق الزمن ليؤسس نظامًا صحيًا يليق بشعب صامد.
لم يكن رجل إدارة تقليدية، بل كان صاحب مشروع وطني متكامل. لم يكتفِ بترميم واقع هش جراء الاحتلال ، بل أعاد صياغته من جذوره. وأطلق أول خطة صحية وطنية جامعة، وبنى شبكة متكاملة من مراكز الرعاية الصحية الأولية، وبنى ووسّع عدة مستشفيات ومراكز، ورفع كفاءتها، وجعل من المؤسسة الصحية كيانًا حيًا قادرًا على الاستمرار والعطاء. وما تحقق في عهده لم يكن شعارات تُرفع، بل بنية قائمة ما زالت شاهدة حتى اليوم كما أنشأ وحدات صحية متخصصة نذكر منها الطب الوقائي والوبائيات والتخطيط، صحة المرأة، وصحة الطفل والصحة النفسية وغيرها التي دعمت الوزارة للقيام بواجباتها من خدمات جليلة في أنحاء الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة .
ومن أبرز إنجازاته، نقل ملكية المستشفى الأوروبي إلى السلطة الوطنية، في خطوة استراتيجية أعادت رفعت القدرة الاستيعابية ، إلى جانب التوسع الكبير في عدد الأسرة، وتأسيس البنية الصحية والتعليمية، من كليات التمريض والصحة العامة، إلى المستودعات الطبية ومركز المعلومات الصحية، وصولًا إلى كليات الطب، كما وسع خدمات التامين الصحي ليشمل أكبر قاعدة من الشعب الفلسطيني كما له بصمات كبيرة للتخفيف العبء المادي للمستفيدين من جميع الخدمات الصحية.
وفي عهده، لم تكن وزارة الصحة مجرد مؤسسة حكومية، بل كانت قلبًا نابضًا لا يهدأ؛ عمل دؤوب، قرارات جريئة، متابعة دقيقة، وانفتاح واسع على جميع أنحاء دول العالم. كان يؤمن أن الصحة ليست خدمة تُقدَّم، بل حق يُصان، وأن الإنسان هو جوهر كل مشروع وطني.
والأرقام، رغم جفافها، تروي جانبًا من الحكاية؛ إذ تضاعف عدد الكوادر الصحية من نحو الفين موظف إلى أكثر من اثنى عشر الف موظف، في نقلة نوعية تعكس حجم الرؤية والعمل. كما شهدت تلك المرحلة حضورًا عربيا ودوليًا لافتًا، من خلال المشاركة في اجتماع وزراء الصحة العرب وفى اجتماع منظمة الصحة العالمية وفى استقطاب وفود طبية ووزراء صحة من الدول العربية والأجنبية ، دعمًا للقطاع الصحي.
وفي ذروة الألم، خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، تجلّت إنسانيته في أبهى صورها. فقد واجهت المؤسسات الصحية ضغطًا هائلًا، ومع ذلك بقيت الوزارة، بقيادته، ثابتة في الميدان، شاهدة على معاناة الناس، وناقلة لصوتهم إلى العالم، موثقةً الانتهاكات، ومدافعةً عن حق الإنسان الفلسطيني في الحياة.
لقد نجح في أن يمنح الصحة الفلسطينية مكانة دولية، من خلال تطوير الكفاءات الطبية وتعزيز حضورها ، حتى شهد كبار الأطباء عالميًا بكفاءة الطبيب الفلسطيني، وبقدرة هذا النظام الصحي على الصمود رغم كل التحديات.
أما أنا، وعلى المستوى الشخصي، فلم أعرف فيه وزيرًا فحسب، بل معلمًا أول. تعلمت منه أن المسؤولية موقف، وأن العمل رسالة وطن، وأن الإنسان هو الغاية. كان له فضل كبير في مسيرتي المهنية، ودعمي منذ تكليفي بمهام مديرة الإعلام الصحي، مرورًا بإدارة إعلام مكتب الوزير، وصولًا إلى عملي مدير تحرير مجلة "الصحة في فلسطين" والإشراف على العديد من المطبوعات للوزارة وغيرها من أعمال إعلامية يومية لاتعد .
كنت أتابع تفاصيل يومه، أواكب لقاءاته واتفاقياته، وتقارير الصحة ومناشداته الانسانية، وأشارك في تغطية افتتاحاته للمؤسسات الصحية ومؤتمراته، وأشهد حضوره الإنساني في كل فعالية داخل الوطن وخارجه ، خاصة تلك التي تعنى بالمرأة والطفل. كانت سنوات مليئة بالتعب، لكنها كانت أيضًا مليئة بالقيمة… سنوات أدركت فيها أن القيادة الحقيقية تُقاس بما تتركه في حياة الناس، لا بما تحمله من ألقاب.
الدكتور رياض الزعنون ليس مجرد اسم في سجل المسؤولين كأول وزير صحة، بل هو صفحة مضيئة وبصمة في تاريخ هذا الوطن… رجل لم يدِر الأزمة، بل واجهها، ولم يساوم على الحق بل صانه ولم يكتف بالحلم ..
*مديرة الإعلام الصحي:
الآراء المطروحة تعبرعن رأي كاتبها أوكاتبته وليس بالضرورة أنها تعبرعن الموقف الرسمي
لـ"ريال ميديا"
